أبو عمار.. يا زمنا اشتاقت له بيروت

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- حدِثني عنه لأكتشف المزيد من سيرته التي تعبق الأزمنة والأمكنة فيها.. وهو يولد كل يوم فكرة ونهجا وقضية.. أبو عمار يا زمنا اشتاقت له بيروت.. وهي التي انتظرت في كل يوم ماذا سيقول القائد؟ رحل القائد وما زالت كلماته تشق جدران المدينة الحزينة وتتلو تاريخ العزة والحرية على مسامع اجيالها.. أبو عمار كان هنا.. أبو عمار بقي هنا.
تختزن احياء بيروت فصلا مهما من فصول الثورة الفلسطينية وحكايا أبو عمار الذي استطاع ان يشكل بيئة حاضنة لقضيته المركزية "فلسطين" والدفاع عنها بوجه العدو الصهيوني، وكان في ذلك لجامعة بيروت العربية رمزيتها ودورها المركزي في استقطاب الطلاب العرب الذي كانوا يتوافدون من كل البلدان العربية اليها.
عن أبو عمار يروي لـ"الحياة الجديدة" البيروتي عبد العزيز مجبور (أبو عامر) ابن منطقة البسطة، الذي كان يرأس اتحاد طلاب جامعة بيروت العربية بين 1980 و1982 فيقول: هو الانسان وهو القائد العربي، وأقول: "عربي" بكل ما تعني لي الكلمة من فخر بزمن القائد أبو عمار ومن تحسر في زمننا هذا.
ويتابع: كانت جامعة بيروت العربية تعد من أهم الجامعات في لبنان وكان يفوق عدد طلابها الذين يأتون من كل البلدان العربية، 26 ألف طالب في فترة الامتحانات النهائية من كل عام، وكانت مهمتنا كاتحاد طلاب الحفاظ على مصالح الطلاب وترتيب كافة أمورهم.
تبنى القائد أبو عمار هؤلاء الطلاب، كان والقيادة الفلسطينية واتحاد طلبة فلسطين على تواصل شبه يومي معنا لمتابعتهم ورعايتهم، كان يدعم صندوق اتحاد طلاب جامعة بيروت العربية لمساعدة الطلاب عن طريق اعفاء شامل للاقساط أو نصفي دون تمييز في جنسياتهم، ويتولى الاشراف على سكنهم ومواصلاتهم وحاجاتهم وعلى أمنهم ايضا، فكان في فترة الامتحانات النهائية يكلف قيادة الكفاح المسلح الفلسطيني (الشرطة) وقيادة الأجهزة الأمنية التابعة للأمن الموحد والأمن المركزي كي يكونوا على جهوزية تامة على مدار 24 ساعة، وهذه مسؤولية أمنية وادارية كبيرة تتطلب اهتماما ومراقبة وحسا وطنيا يمنع حصول أي خلل، ولولا هذا الاشراف المباشر لصعبت المهمة علينا آنذاك، يقول مجبور.
ويضيف: بالمقابل كان الطلاب أوفياء للقائد أبو عمار ويحبونه، كان رمزا بالنسبة اليهم وكان اليوم الذي سيأتي فيه الى الجامعة بمثابة يوم وطني سيستمعون فيه الى البيان السياسي والموقف العسكري والأمني عبر خطابه.
كنا نهيئ لهذا اليوم ونصدر تعميما بقدوم القائد الى الجامعة وكان اتحاد طلبة فلسطين يساهم في التعبئة للمشاركة في المهرجان، وفي اليوم المحدد تتوقف الدروس ويحضر الطلاب الى قاعة جمال عبد الناصر التي كانت تصدر منها مواقف أبو عمار ورسائله للعالم كله وللعدو الصهيوني فيعلو التصفيق والهتاف له.
كانت القاعة تمتلئ فيما توزع مكبرات الصوت على الملاعب الخارجية للجامعة وكان مكتب الاتحاد ينقل الخطاب مباشرة الى الطلاب في الخارج والى الناس الذين لا يتمكنون من الوصول.
ويستطرد: بالتوازي كان أبو عمار حريصا على كرامة وسلامة الهيئة الادارية والدكاترة والاساتذة المصريين فيها وعملهم اكاديمي بحت وكان آخر خطاب له في الجامعة العربية في ذكرى ميلاد الرئيس جمال عبد الناصر، خاطب الطلاب قائلا: نحن مقبلون على مرحلة خطيرة جدا وسوف نصمد ونقاتل وننتصر.
يحدثنا مجبور ان هناك عددا كبيرا من الطلاب العرب بقوا في بيروت ولم يغادروها والتحقوا بالثورة الفلسطينية وقاتلوا معنا الى جانب القائد عرفات وخرجوا بعدها مع المقاومة واعرف منهم من لم يعودوا الى بلادهم الا بعد 10 و15 سنة.
عن الغزو الصهيوني لبيروت عام 1982 يروي مجبور وهو ايضا احد قادة العمل الوطني في لبنان آنذاك ومن بين الذين شاركوا في معركة المتحف الشهيرة التي مني فيها العدو بأبشع هزيمة: "حين دخل وقف اطلاق النار حيز التنفيذ بطلب من العدو، أطل علينا أبو عمار وعانقنا وكان مبتهجا بهذا النصر وقال كلمته الشهيرة: "بيروت عصت على الغزاة وعصمت شرف الأمة العربية"، وكان احد المقاتلين الذي يدعى "جبريل" قد ضرب دبابتين صهيونيتين فعلم بذلك أبو عمار فأهداه المسدس الذي كان يحمله".
يتابع مجبور: كان لي الشرف في هذه الفترة ان أكون من بين الذين كانوا يؤمنون البيوت التي تنقل بينها القائد أبو عمار في بيروت وهو كان يملك حسا أمنيا منقطع المثيل، في اللقاءات الليلية كان يخبرنا عن المعطيات والمشاورات والمباحثات والمفاوضات الجارية مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب والقوى الوطنية والفلسطينية.
كل ذلك لم يكن يثن أبو عمار عن سؤالنا عن الملاجئ، اذا كان فيها مياه، مواد غذائية، واذا كانت محصنة كما يجب، كان كل همه أن يؤمن مستلزمات الصمود لأهل المدينة وأكثر من ذلك عمل على تخصيص مبالغ مالية تساعد العائلات على الصمود، كان يرفض تسجيل اسمائها مرددا "هذا الشعب ائتمننا على الروح والدم من العيب ان نسأله عن الأسماء".
كان خروج أبو عمار بالنسبة لعبد العزيز مجبور يوما حزينا وكان اجماعا على ان الثورة لها افضال كثيرة على بيروت ولبنان يقول.. ويختم لـ"الحياة الجديدة": الحمدلله نملك من الذاكرة والمعلومات ما ننقله بصدق، أنا لا استطيع ان أعبث بشرف وعرق ودم أي مناضل وقد علمنا أبو عمار النضال.. من بيروت سلام ووفاء أبا عمار.
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!