عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تشرين الأول 2015

"علي شحادة الجعفري"

عيسى عبد الحفيظ

من أوائل المنخرطين في كتيبة الصاعقة الفلسطينية التي تشكلت في العراق كنواة لجيش التحرير الفلسطيني عام 1965. كغيره من المنتسبين لهذه الكتيبة, أظهر قوة وعزيمة وقدرة على التحمل ورغبة جامحة في نيل المعارف العسكرية والتدريب العالي.

من المعروف عن تدريب الجيش العراقي القساوة والصعوبة التي لا يستطيع أيا كان تحملها, وهذا ما انطبق على تدريب الصاعقة الفلسطينية, حيث كان يلقى بهم من الطائرة النفاثة في نهر دجلة من علو شاهق, ومن يتردد يتم فصله فورا وتحويله الى اختصاص آخر.

عاد الى الوطن مطلع عام 1967 مع أفراد الكتيبة تحت إمرة اللواء العراقي المدرع الثامن ليشارك في المعارك التي اندلعت قبل مغادرتهم العراق. بوصولهم الى أرض الوطن, كانت القوات الاسرائيلية قد انجزت مهمة احتلال ما تبقى من فلسطين, واجتياح هضبة الجولان وسيناء ملحقة هزيمة بثلاثة جيوش عربية.

أدرك علي الجعفري أن مكانه ليس في الجيوش النظامية, فالتحق بحركة فتح التي استقبلته بحفاوة نظرا لتدريبه العالي, وخبرته الواسعة, ومعرفته بالأسلحة المختلفة, والتكتيكات العسكرية الملائمة لحرب العصابات, وهي الحرب التي طرقتها فتح وآمنت بها كسبيل الى تحقيق النصر.

اندمج علي بسرعة مدهشة في الجو الجديد, جو حرب العصابات, فساهم في عدد من الدوريات القتالية, ودوريات الاستطلاع, ونقل السلاح الى الضفة الأخرى وتخزينه في الوطن المحتل.

بعد معركة الكرامة التي أعطت زخما غير عادي للثورة وحركة فتح, انطلق علي الجعفري ضمن مجموعة من ثمانية أشخاص ووجهتهم رام الله كقاعدة خلفية لشن هجمات عسكرية انطلاقا منها. لكن آثار الدورية انكشفت بسرعة فتمت ملاحقتها فورا من قوات الاحتلال الاسرائيلي ومحاصرتها في وادي القلط غرب أريحا.

استمر الاشتباك يوما كاملا, ولم تستطلع المدرعات والآليات عن المشاركة في المعركة بسبب وعورة المنطقة, ولم تستطع الطائرات التدخل بسبب التداخل بين المقاتلين الفلسطينيين والجنود الاسرائيليين. كانت الاشكالية الكبرى بالنسبة للمجموعة هي الذخيرة, هذه الاشكالية التي صاحبت كل من توجه الى الأرض المحتلة والتحم مع الجيش المحتل, ايضا, استحالة القدرة على طلب التعزيزات والاسناد, وضآلة فرص الانسحاب من أرض المعركة, كان الموقع الذي تمترست فيه المجموعة القتالية الفلسطينية حصينا ويسمح بادارة الاشتباك لفترة لا بأس بها لكن الى وقت محدود.

محدودية الذخيرة والتي ستنفذ عاجلا أو آجلا, والاستشهاد أو الوقوع في الأسر محتم. تمكنت المجموعة من ايقاع خسائر بشرية نوعية في القوات المحاصرة, وكان من ضمن القتلى في صفوف الجيش الاسرائيلي الجنرال سي عوفر, احد اهم ضباط الجيش الاسرائيلي, والذي اشتهر في صفوف الجيش بانه رجل المهمات الصعبة, وحاز على العديد من الميداليات والنياشين.

نظرا للجرأة التي أظهرها المقاتلون الفلسطينيون والخسارة الكبيرة التي ألحقوها بالقوات المهاجمة, فقد قام موشيه ديان شخصيا بزيارة موقع المعركة والتقى مع من سقط في الأسر. سقط قائد الدورية شهيدا وهو نادر التايه ومقاتل آخر من القدس لم يتسن سوى معرفة اسمه الاول الشهيد عبد الناصر.

اختار ديان الجعفري ليجري معه مقابلة شخصية استمرت ثلاث ساعات. حيث تم نقله بطائرة طوافة الى معسكر الصرفند ليدخل في نقاش مع وزير الجيش ديان.

وصف الشهيد علي الجعفري هذه المقابلة معه وكبار ضباطه, حيث حاوروه حول طبيعة المقاومة, ومعنويات المقاتلين الفلسطينيين. علي بثقافته الواسعة, قدم عرضا شاملا عن الثورة مؤكدا ان الشعب الفلسطيني برتبة منحاز الى خيار المقاومة, وعلى استعداد تام للانخراط في الثورة الفلسطينية اذا توفرت امكانية استيعابهم في القواعد.

عرض ديان على علي ان يحمل رسالة الى ياسر عرفات, لكن علي رفض قائلا ان وسائل الاتصال متوفرة, حينها اجابه ديان انه برفضه ذاك سوف يدخل السجن لفترة طويلة, وانه قد يزوره بعد عشر سنوات. وكان رد علي الجعفري ان ذلك أفضل من أن يشار اليه كمن ساوم على المجموعة أو قام بتسليمها أو ضعف في التحقيق!؟

السجن ليس نهاية, بل بداية لمرحلة نضالية جديدة مليئة بالتحدي وصراع الارادات. مرحلة قد تكون أشد شراسة من المبارزة بالسلاح. تحتاج الى صبر وشجاعة وقوة تحمل وانتماء صادق, تفوق مرحلة القواعد والعمليات العسكرية والعيش تحت القصف اليومي خاصة في سجن عسقلان الرهيب.

وللحديث بقية