عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 تشرين الأول 2015

مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومات

دعاء المصري

يهدف مشروع قانون الحصول على المعلومات الى تمكين افراد المجتمع للمشاركة الفاعلة في صنع القرار ومراقبة اعمال الادارة العامة فأحياناً "من يملك المعلومة يملك صنع القرار"، وبالتالي يكون القانون اداة تمكّن الافراد والمواطن من مساءلة ومحاسبة الادارة العامة وفق ما ينسجم مع مبادئ الحكم الرشيد وتجسيداً للعدالة الاجتماعية.

ويستند المشرعون والفقهاء الى اقرار هذا الحق، او بالمعنى الادق الكشف عن هذا الحق وممارسته الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان، حيث نصت المادة (19) على انه:" لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الاراء دون اي تدخل واستقاء الانباء والافكار وتلقيها واذاعتها باية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية." ولم يكن المشرع الفلسطيني، حينما اقر مسودة هذا القانون بالقراءة الاولى عام 2005 بعيداً عن هذا المبدأ، حاله كحال مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الرسمية الحكومية وغير الحكومية المعنية، ومن هنا تعالت الاصوات وبدأ الحراك المدني والرسمي للمطالبة بالمصادقة النهائية على قانون الحق في الحصول على المعلومات، ولم يذكر احدا منهم ان الاساس او السند القانوني انبثق ايضاً من القاعدة القانونية العامة التي نص عليها القانون الاساسي المعدل لسنة 2003؛ حيث نصت المادة (19) من القانون الاساسي على انه:" لا مساس بحرية الراي، ولكل انسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول او الكتابة او غير ذلك من وسائل التعبير او الفن مع مراعاة احكام القانون." فالقانون الاساسي لم يختلف بمضمونه عن مضمون المادة (19) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ومنح الحق في النشر والتعبير دون اي قيد في حدود القانون، ومنح الحرية في الاعلام دون رقابة، فالقانون الاساسي هو االسند الذي يحتوي على القاعدة العريضة لبناء وبلورة تشريعات تعمل على تجسيد اسس العلاقة بين السلطات فيما بينها، وبين هذه السلطات والمواطنين لا سيما السلطة التنفيذية بكافة هيئاتها التي تباشر العمل بها او من خلال اتباع احدى وسائل الادارة في تسيير مرفق عام وتقديم خدمة للجمهور.

ومع هذا، واثناء عقد المؤتمرات والانخراط في ورشات العمل والندوات، يمكن ملاحظة مخاطر مثل مشروع هكذا قانون، ليس لانه في حد ذاته خطيراً، ويحتوي على مخاطر واحتمالية وجود سلبيات في نصوصه؛ وانما المخاطرة في الفهم الخاطئ للتطبيق، او الفهم الخاطئ في اجراءات التطبيق، والمقصود من إنفاذه، اذا كان من يحضر هذه الورشات، او المدعو لها غير مقتنع به من ناحية، ومن ناحية اخرى يخشى من سلبيات التطبيق، فلا يهتم المدعو في البحث من مغزى الدعوة والمشاركة، وهناك من لا يكترث لهذه النصوص، او معناها الدقيق التي تضمنته، كما في منح النائب العام السلطة التقديرية في نشر معلومات حول قضية رأي عام او قضية فساد، ويبدأ المرج والهرج حول هذا النص، علماً ان كلمة يجوز قانوناً وليس لغةً تعني ان تطبيق النص يكون اختيارياً عند وقوع الفعل، فقد ينشر أو لا ينشر، لكن أُخِذ الامر بانه شيء مطلق وهذا امر مخيف بغض النظر ان كان يتفق مع قانون اصول الإجراءات الجزائية ام لا، فليس المقصود من عرض هكذا مثال مدى تعارضه او انسجامه مع التشريعات الاخرى، بل المقصود هو الفهم بتوسيع نطاق المفاهيم وتفسيرها.

 ويثير هذا المشروع اسئلة ارى بها بؤرة قانون الحق في الحصول على المعلومات، تلك الاسئلة التي في حال الاجابة عليها، يكون القانون في مساره السليم ويستسقى منه الفائدة وتحقيق الاهداف المرجوة، وتنحصر هذه الاسئلة في كيفية التعامل مع المعلومة، وما هي هذه المعلومة، وكيف يتم تسويقها او المساءلة بناء عليها، وما المقصود بنشر المعلومات العامة، وهل توجد لدينا البيئة السليمة والثقافية المعرفية حقاً كافراد مجتمع نشدو لبناء مؤسساتنا وسمو القانون على كافة شرائح مجتمعنا؟؟؟ اسئلة كثيرة تحتاج الى التأمل االعميق والبحث الحثيث بما في ذلك القراءة الممعنة لمدى المواءمة التشريعية والرجوع الى بعض التشريعات، كالتي تتعلق بالصحافة والمهنة الاعلامية فلقد نصت المادة (6) من قانون المطبوعات والنشر لسنة 1995 على انه:" تعمل الجهات الرسمية على تسهيل مهمة الصحفي والباحث في الاطلاع على برامجها ومشاريعها." اذن لم يأت مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومات بنص جديد في هذا السياق، الا ان البعض قد يرى ان الاطلاع ليس بالضرورة الحصول، واتفق مع هذا القول لان الحصول يعني الاستحواذ والحيازة، وهذا يعطي الحق في استخدام المعلومة بنطاق اوسع واكثر شمولية لمعنى الحصول، لكن بالنظر الى الفصل الثاني من مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومات الذي حمل عنواناً: مبادئ الحق في الاطلاع، فقد وردت عبارة الاطلاع في اكثر من موضع في نفس المشروع، مما يعني ان اللجنة التشريعية لمسودة القانون قد حملت ذات المعنى للحصول (وان كان هذا يتطلب بعض التعديلات على توحيد المصطلحات وفق منهجية الصياغة التشريعية) المهم هنا ان الصحفي له الحق في الاطلاع والحصول على المعلومة بقوة القانون ووفق القانون الذي يخاطبه الا وهو قانون المطبوعات النشر التي جاء بنص آمر للجهات الرسمية، وعلى الصحفي ان يطبق في سلوكه وتعامله مع المادة الاعلامية الاسس والمعايير المهنية والاخلاقية التي تنص عليها التشريعات تحت طائلة المحاسبة والمساءلة، ونشر المعلومات ليس بمزاجية او لاغراض تتنافى مع المهنية والمصداقية، وانما لتحقيق الهدف الاسمى من الاعلام وهو نشر الوعي والرقابة على الاداء العام والمساءلة المجتمعية.

فمشروع قانون الحق في الحصول على المعلومات والمطالبة في المصادقة عليه امر في غاية الديمقراطية وبناء المؤسسات بناء رشيدا يكافح الفساد في ظل وجود بعض التوافق مع نصوص التشريعات الاخرى ومن ضمنها قانون الاتصالات السلكية واللاسلكية رقم (3) لسنة 1996، لكن ما زالت هناك العديد من التشريعات النافذة التي يجب ان تتواءم وتنسجم مع هذا المشروع في حال اقراره، بل يجب التأكيد على اهمية وضرورة اقرار تشريعات لا تنفصم عراها ولا تقل اهمية عن قانون الحق في الحصول على المعلومات، كتلك المتعلقة بالارشيف الوطني، وتصنيف المعلومات وفق معايير وضوابط محددة، وهذا في من اجل التطبيق السليم للقانون، ايضا يجب ان تكون هناك عملية تعديل تشريعات متزامنة مع المصادقة على مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومات.

اننا لسنا بحاجة الى قوانين يُفرغ محتواها وتصاب بالوهن والضعف الاجرائي لمجرد التعارض في النصوص التشريعية، ولسنا بحاجة الى نصوص قانونية تحاسب موظف ولا يمكن ان تعاقب او تسائل قمة الهرم الاداري، وذلك لسبب قانوني وجيه، الا وهي سبل المساءلة القانونية لوزير عن مخالفته، فلقد وضع مشروع القانون المخالفات والجزاء عليها، ليبقى التساؤل حول من سيسائل من؟ وهنا بوسعي القول إن ما توصل اليه البروفيسور ناثان براون( استاذ العلوم السياسية والشؤون الجولية في جامعة جورج واشنطن والذي اختص في دراسة السياسات العربية لا سيما في الدساتير) حينما قام بدراسة الدساتير في الدول العربية ووجد بانها مجرد حبر على ورق مع وجود نصوص قانونية رومنسية الى حد ما، فسماها دساتير من ورق، توضع النصوص، وتقيد السلطة التنفيذية تلك النصوص او تفسرها كيفما تراه مناسباً لها، فاقرار القوانين بحاجة ان تعالج من الضعف التشريعي والاجرائي والقيام الجاد والعملي بعملية تشريعية كاملة متكاملة تسد كافة الفجوات والثغرات، فمن سيسائل رئيس هيئة حكومية ان رفض اعطاء المعلومة حسب التشريعات التي يخضع لها وتنفذ نصوصها عليه، كيف ستتم مساءلته واستجوابه، كل هذه اسئلة تدور في الفلك التشريعي الواقعي، يخاطب الفكر والثقافة المجتمعية، التي ترفع من قيمة الانتماء الوطني والمؤسسي وتعزز ثقافة الحكم الرشيد وتبني قواعد العدالة الاجتماعية.