مدى صحة إضفاء الصفة التجارية على أعمال مهنة الصيدلة في ضوء القانون والواقع العملي
د. إيهاب عمرو*
لعل الدافع وراء كتابة هذه المقالة يكمن في الاشكاليات القانونية والعملية ذات العلاقة بمهنة الصيدلة في فلسطين، حيث يثير البحث في هذا الموضوع التساؤل بشأن تجارية أو مدنية أعمال مهنة الصيدلة. فإذا سلمنا جدلاً أنها تجارية، فإن قانون التجارة ساري المفعول سيحكمها، إضافة إلى أن من يزاول هذه المهنة سيعد تاجراً يخضع لالتزامات التجار كالقيد في سجل التجارة مثلاً.
وإذا سلمنا جدلاً أنها مدنية فإن القانون المدني ساري المفعول سيحكمها على اعتبار أنها تعد من قبيل الأعمال الحرة التي تقوم على استغلال القدرات الشخصية والعلمية، خصوصاً إذا ما علمنا أن مزاولة أعمال مهنة الصيدلة لا تقتصر على الأفراد فقط، وإنما تمتد لتشمل مستودعات الأدوية، وشركات انتاج الأدوية، وشركات توزيع الأدوية، ومندوبي الإعلام (الدعاية) الدوائي.
لذلك، فإن هذه المقالة تحاول أن تجد حلولاً قانونية وعملية لهذه الإشكاليات، وأن تضع المعايير التي يمكن من خلالها التمييز بين تجارية أو مدنية أعمال مهنة الصيدلة.
من أجل الإجابة عن التساؤلات المطروحة، فإنه يتعين علينا ابتداء أن نتناول الإطار القانوني الذي ينظم مهنة الصيدلة في فلسطين. ويشمل الإطار القانوني الذي ينظم مهنة الصيدلة في فلسطين كل من قانون الصحة العامة رقم (20) لسنة 2004، ونظام مزاولة مهنة الصيدلة لسنة 2006، وتعليمات وزير الصحة بشأن تنظيم الإعلام الدوائي لسنة 2014. وقد أدرج قانون الصحة لسنة 2004 مهنة الصيدلة من ضمن المهن الطبية، وذلك في المادة (1) منه. كما أنه اعتبر كل من يقوم بأي من هذه المهن طبيباً متى كان مرخصاً قانوناً للقيام بذلك. وقد اشترط القانون في المادة (62) منه ضرورة الحصول على ترخيص من وزارة الصحة لمزاولة المهن الطبية، والتي تشمل مهنة الصيدلة كما أسلفنا. وقد حظر القانون المذكور في المادة (70) منه على غير الصيادلة المرخص لهم بمزاولة المهنة تحضير أية عقاقير طبية أو مستحضرات صيدلانية. أما نظام مزاولة مهنة الصيدلة لسنة 2006، فقد جاء أكثر تحديداً بخصوص من يحق له مزاولة مهنة الصيدلة، حيث نص على تعريف مهنة الصيدلة، الصيدلي، الصيدلي المرخص والصيدلي المسؤول، والمؤسسة الصيدلانية التي تشمل الصيدلية العامة أو الخاصة أو المستودع أو مصنع الأدوية البشرية و/ أو البيطرية، أو مراكز الاتجار بالأعشاب والنباتات الطبية، أو المكتب العلمي للإعلام الدوائي.
إضافة إلى ذلك، تضمن النظام المذكور النص على الشروط الواجب توافرها للحصول على ترخيص لمزاولة مهنة الصيدلة. كما تضمن أيضاً النص على ترخيص المؤسسة الصيدلانية كشرط لازم لمزاولة أعمال مهنة الصيدلة. وقد أجاز النظام المذكور لأصحاب المؤسسات الصيدلانية الاتجار بالأدوية والمستحضرات الصيدلانية الجاهزة بجميع أصنافها. وأجاز كذلك لأصحاب مستودعات الأدوية استيراد الأدوية والمستحضرات الصيدلانية وكل ما له صفة دوائية. كما أعطى الحق لأصحاب المستودعات من غير الصيادلة والمرخصة قبل إقرار هذا النظام الاحتفاظ بمستودعاتهم والاستمرار بأعمالهم التجارية، واعتبرها قانونية شريطة أن يدير كل مستودع صيدلي مسؤول متفرغ وأن يلتزم بالأنظمة والقوانين.
أخيراً وليس آخراً، فإن تعليمات وزير الصحة بشأن تنظيم الإعلام الدوائي رقم (3) لسنة 2014 قد نظمت الإعلام الدوائي الذي يكون في شكل نشاط أو مجموعة من الأنشطة تنفذها أو تغيطها أو تتبناها الشركة المنتجة أو المسوقة للمستحضرات الصيدلانية والعشبية، وتعمل على ترويج منتجاتها إلى مقدمي الخدمات الصحية. وقامت التعليمات المذكورة بالإشارة إلى مندوبي الإعلام الدوائي بأنهم الصيادلة الذين يقومون بزيارة مقدمي الخدمات الصحية أو الصيدليات أو المستشفيات أو أية مرافق رعاية صحية أخرى بهدف الترويج والإعلام عن المستحضرات الصيدلانية والعشبية. وقد اشترطت التعليمات المذكورة فيمن يمارس الترويج والإعلام الدوائي أن يكون صيدليا مرخصا، وتلقى التدريب العلمي الكافي الذي يمكنه من إعطاء المعلومات العلمية الدقيقة والتقنية عن أي مستحضر يقوم بالدعاية له.
في الواقع العملي، نستطيع القول إن هناك اتجاهين بخصوص تجارية أو عدم تجارية أعمال مهنة الصيدلة. يذهب الاتجاه الأول إلى أن أعمال مهنة الصيدلة تعد تجارية كونها تقوم على المضاربة وتحقيق الربح، خصوصاً أن هناك بعض الصيدليات تقوم ببيع الأدوية والمستحضرات الطبية ومستحضرات التجميل بأثمان أقل مقارنة مع غيرها من الصيدليات تأسيساً على فكرة المضاربة.
كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن أعمال مهنة الصيدلة تعد تجارية تأسيساً على قيام مؤسسات صيدلانية بالإتجار بالأدوية والمستحضرات الطبية على نطاق واسع، ما يبرر اعتبار عملها تجارياً كونها تهدف إلى تحقيق الربح، مثل مستودعات الأدوية وشركات إنتاج وتوزيع الأدوية. بل ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى القول إن بعض الصيدليات تعتمد على بيع مستحضرات التجميل والعطور والهدايا والنظارات الشمسية وأصباغ الشعر وألعاب الأطفال أكثر من اعتمادها على بيع الأدوية كما هو الحال في بعض الدول المتقدمة، وكذلك في بعض المحافظات الفلسطينية ذات الكثافة السكانية، حيث يقوم الصيادلة بتسويق أنواع معينة من تلك المستحضرات والعطور والهدايا، ما يبرر اعتبار أعمالهم تجارية. ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى التدليل على صحة وجهة نظرهم بالقول إن قيام بعض أصحاب الصيدليات بالتسجيل في الغرفة التجارية وتقديم أوراق المقاصة، وقيامهم كذلك بمسك الدفاتر المحاسبية ودفع الضرائب المفروضة كضريبة القيمة المضافة إنما يؤكد على تجارية أعمال مهنة الصيدلة.
ويرى الأستاذ الدكتور عثمان التكروري أن الصيدلي وإن كان يمارس مهنة حرة إلا أنه يعد تاجراً من نوع خاص كونه يمارس عمله على سبيل الاحتراف، وأن قيامه بالتسجيل لدى نقابة الصيادلة إنما مرده إلى أن القانون أراد حصر من يزاول هذا النوع من العمل بمن يملك المؤهلات المطلوبة لممارسته وأهمها الحصول على شهادة الصيدلة، وقضاء المدة المقررة قانوناً بعد حصوله على رخصة مزاولة المهنة. إضافة إلى ذلك، فإن قيامه بعملية الشراء لأجل البيع بقصد تحقيق الربح والمضاربة، والتزامه كذلك بمسك الدفاتر المحاسبية ودفع الضرائب تبرر اعتبار تلك الأعمال التي يزاولها الصيدلي من قبيل الأعمال التجارية، بسبب توافر شروط العمل التجاري عند ممارسته لتلك الأعمال، خصوصاً أن عمله لا يقتصر على شراء وبيع الأدوية وإنما هناك مواد تجارية أخرى يقوم بشرائها وبيعها على سبيل الاحتراف. أما عدم قيام من يزاول تلك المهنة بالقيد في سجل التجارة أو في الغرفة التجارية، فإنه يعود إلى حقيقة أن بعض التجار يقومون بالتهرب من الالتزامات القانونية الملقاة على عاتقهم، والتي تشمل القيد في سجل التجارة والغرفة التجارية.
يذهب الاتجاه الثاني إلى اعتبار أن عمل الصيدلي يعتبر مدنياً بطبيعته كونه يعد من قبيل المهن الحرة التي تقوم على استغلال الملكات الشخصية والمؤهلات العلمية. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الصيدلي يختلف عن التاجر من حيث إن التاجر يقوم بشراء بضاعة وبيعها بقصد تحقيق الربح، بينما الصيدلي وإن قام بشراء أدوية وبيعها وحقق من وراء ذلك ربحاً فإن سعر الدواء يكون في الغالب مطبوعا على العبوة. ناهيك عن أن الصيدلي يخضع لرقابة نقابة الصيادلة ووزارة الصحة من حيث عدم التلاعب بالأسعار، وتاريخ الصلاحية، وطريقة حفظ الأدوية، خصوصاً أن الصيدلية ليست مخزنا للبضاعة. وكذلك أيضاً مسؤوليته القانونية عما يعطيه من أدوية للمرضى في حالة إعطاء الدواء بشكل خاطئ أو دون وصفة طبية متى استلزم الأمر، إضافة إلى التزامه بأخلاقيات المهنة وضوابط وزارة الصحة ونقابة الصيادلة.
كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الصيدلي، على الرغم من التزامه بدفع ضرائب معينة مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل، إلا أنه لا يلتزم بالقيد في سجل التجارة أو في الغرفة التجارية. ويبرر أصحاب هذا الاتجاه قيام بعض الصيادلة بالتسجيل في الغرفة التجارية كتجار وتقديم أوراق المقاصة بالقول إنهم غير ملزمين بالتسجيل في الغرفة التجارية، وأن ذلك يكون بمحض إرادتهم بقصد الحصول على التصاريح اللازمة للتنقل من أجل شراء ما يلزم من مستحضرات تجميل وعطور وهدايا وألعاب أطفال.
كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن بيع مستحضرات التجميل والهدايا والألعاب إنما القصد منه تغطية النفقات وليس تحقيق الربح الوفير. أخيراً وليس آخراً، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الصيدلية ليست محلاً تجارياً كونها يتم ترخيصها (تسجيلها) من قبل كل من وزارة الصحة ونقابة الصيادلة حتى لو كانت صيدليات كبيرة، مع ما يتطلبه ذلك من مستلزمات الترخيص الإجبارية مثل المساحة، المختبر الطبي، ووجود مسافة معينة بين صيدلية وأخرى، إضافة إلى الشهادات العلمية والخبرة العملية المتطلبة للصيدلي المسؤول عن الصيدلية.
في ضوء ما سبق، يمكن لنا القول إن أعمال مهنة الصيدلة تختلط فيها صفة العمل المدني مع العمل التجاري. فمن جهة، يقوم الصيدلي بدراسة تمتد لسنوات ثم يتعين عليه إتمام المدة المقررة قانوناً حتى يتمكن بعدها من مزاولة تلك المهنة كصيدلي مسؤول، وهو ما يبرر اعتبار عمله مدنياً يقوم على استغلال الملكات الفكرية والمؤهلات العلمية. كما أن خضوع الصيدلي لرقابة كل من وزارة الصحة ونقابة الصيادلة يعد سبباً كافياً لاعتبار عمله عملاً مدنياً ونزع صفة التجارية عنه.
من جهة أخرى، فإن قيام الصيدلي بعملية شراء لأجل البيع بقصد تحقيق الربح يؤدي إلى اعتبار عمله تجارياً، خصوصاً أن بعض الصيدليات تقوم بعرض ودعاية وبيع مستحضرات التجميل والهدايا والعطور وألعاب الأطفال على نطاق واسع، ما يبرر اعتبار تلك الأعمال من قبيل الأعمال التجارية كونها تهدف إلى المضاربة وتحقيق الربح وفقاً لنص المادة السادسة من قانون التجارة ساري المفعول. كما أن قيام مستودعات الأدوية وشركات توزيع الأدوية بشراء الأدوية واستيرادها لأجل بيعها بقصد تحقيق الربح يبرر اعتبار أعمالها من قبيل الأعمال التجارية وفقاً لنص المادة سالفة الذكر.
والسبب في ذلك مرده إلى أن أصحاب هذه المستودعات وشركات التوزيع يعتبرون، حتى في حالة كونهم صيادلة، من التجار الذين تنطبق على أعمالهم صفة التجارية تأسيساً على فكرة المضاربة وتحقيق الربح، إضافة إلى تقديمهم رأس المال وممارستهم لتلك الأعمال على سبيل الإحتراف.
كما أن أعمال شركات إنتاج الأدوية تعد أعمالاً تجارية بموجب المادة السادسة سالفة الذكر كونها تعد من قبيل أعمال الصناعة التحويلية (صناعة الأدوية). ناهيك عن قيام أصحاب تلك المستودعات والشركات باستخدام أدوات التجارة عند ممارسة أعمالهم، مع ما يتطلبه ذلك من قيامهم بالقيد في سجل التجارة وفي الغرفة التجارية. إضافة إلى ما سبق، فإن مستودعات الأدوية وشركات إنتاج وتوزيع الأدوية يتم تسجيلها كشركات مساهمة خصوصية أو كشركات مساهمة عامة لدى مراقب الشركات، وتقوم بعد حصولها على شهادة التسجيل بفتح ملفات ضريبية خاصة بضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة لدى الجهات الضريبية ذات العلاقة، ثم تقوم بعد ذلك بالحصول على التراخيص اللازمة من وزارة الصحة. فعلى سبيل المثال، تعد شركة بيت جالا لصناعة الأدوية شركة مساهمة عامة تطرح أسهمها للاكتتاب العام، ويتم تداول أسهمها في بورصة فلسطين. وما يجدر ذكره أن جميع شركات الصناعات الدوائية المساهمة العامة متداولة في بورصة فلسطين.
أخيراً، يرى الفقه أن المعيار الفاصل الذي يتم من خلاله تحديد تجارية أو مدنية أعمال مهنة الصيدلة هو التوسع في المشروع. فإذا قام الصيدلي بالتوسع في أعماله وأصبح مضارباً على من يعملون لديه فيمكن اعتبار عمله من قبيل الأعمال التجارية التي تخضع لأحكام قانون التجارة ساري المفعول، وذلك قياساً على عمل المهندس الذي يعد عمله مدنياً متى اقتصر على التخطيط الهندسي، أما إذا توسع في المشروع فأصبح مقاولاً، إضافة إلى مهنته الحرة كمهندس، فإن عمله هذا يعد تجارياً يخضع لأحكام قانون التجارة ساري المفعول.
----------
* أستاذ القانون الخاص، ومحكم معتمد من وزارة العدل
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي