الاعلام الحديث ومضمون الرواية الفلسطينية
عمار جمهور
كتب إدوارد سعيد مقالا في صحيفة الاهرام الدولية بعنوان ( (The Screw Turns, Again عام 2002، أشار فيه إلى إمكانية تراجع سطوة الحكومات وسيطرتها على وسائل الاعلام والرأي العام فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، بفعل ما تتيحه الشبكة العنكبوتية من إمكانية للحصول على المعلومات والأخبار من مصادرها الاصلية.وهذا بات حقيقة دامغة اليوم وخاصة في الهبة الجماهيرية الأخيرة، وما شكلته وسائل الاعلام الاجتماعي من أداة اعلامية مهمة لنقل الرواية وترويجها على المستويين الاقليمي والدولي.
الاعلام الحديث كان محوراً اساسياً في خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي أعطى فيه تعليمات واضحة بقتل الفلسطينيين وضرورة محاربة ما سماه التحريض في وسائل الاعلام وصفحات التواصل الفلسطينية، الذي جاء نتيجة إدراك آلة الاعلام الإسرائيلي للدور الحيوي والهام للإعلام الحديث في الهبة الجماهيرية الأخيرة، التي سلبت الامتياز والتفوق المعلوماتي منها، إذ تبدو الأزمة واضحة لطبيعة هذا الحيز وسماته، التي تضع صانع القرار السياسي على المحك، كون الحدث والصورة يصلان "لصاحب القرار، المتلقي" في اللحظة ذاتها، ما يفقده القدرة على صياغة السياسة الإعلامية التي تعزز روايته.
يمتاز هذا النوع من وسائل الإعلام بسهولة استخدامه، اذ حوّل المواطن العادي إلى صحفي، ووفر له إمكانية تدوين الحدث وتعميمه بالصوت والصورة والكلمة، إضافة إلى المجانية النسبية جراء توفر البنية التحتية اللازمة للربط مع شبكة الانترنت، اذ يمتاز بالتفاعلية والتشاركية والتبادلية، وغيرها من السمات والخصائص التي تعطيه الأفضلية؛ كالسرعة في نقل الأخبار العاجلة من مكان حدوثها في لحظتها، فأصبح صانع الفعل هو الناقل والمخبر عنه، ما مكّنه من تخطي السياسة التحريرية التي قد لا تسمح بنشر كافة المضامين.
يتيح هذا المنبر فرصة وصول الرواية الفلسطينية للجمهور العربي والغربي، إذا ما أحسن استخدامه، وفقا لرؤية استراتيجية ناضجة لمضمون الرسالة وشكلها، وتضعف المواد الصحفية التي توثقها المؤسسات الحقوقية، حيث بدأت مرتبكة اكثر من مرة، وخاصة في تعاملها مع الصور والتسجيلات "المسربة" فيما يتعلق بأعمال المقاومة، ما دفعها إلى إستصدار قرارات قضائية وعسكرية، كمنع تعميم الصور الاولية التي نشرت عقب الهجوم في مدينة بئر السبع وما رافقها من هلع وخوف لدى الجمهور الاسرائيلي.
ومن جانب آخر، شكلت هذه الصفحات بالرغم من أهميتها، منبراً للدعاية السوداء وللإشاعات، وللأخبار المغلوطة والكاذبة.فالصحفي والمواطن العادي يقع على عاتقهما مهام وواجبات بغض النظر عن طبيعة المنابر المستخدمة، فتفاعلهم مع صفحات التواصل الاجتماعي، لا يعفيهم من نقل الحقيقية بمهنية وموضوعية ومصداقية وحيادية، ولا يسقط مسؤولياتهم الأخلاقية ازاء ما ينشرونه من صور ومعلومات واخبار، او مسؤولياتهم الاجتماعية تجاه مجتمعهم وقضاياه.
ومن الضرورة أن يكون فحوى الخطاب الموجه للغرب مختلفاً عن ذلك المرسل للجمهور العربي، على ألا يحمل في ثناياه مضامين قد تؤذي المشاعر الإنسانية، وأن تكون الصورة حية، كونها الأفضل للتأثير على الرأي العام، استنادا لما احدثته صورة محمد الدرة لحظة استشهاده، فانتشار صورة الرضيع السوري الملقاة على شاطئ البحر، ساهم في تغيير السياسة الأوروبية تجاه المهاجرين، بسبب ملامستها المشاعر الإنسانية.
ما سبق يستدعي أن تخاطب المادة الصحفية العقل بدلا من العاطفة، فالجمهور الغربي يحتاج الى الأدلة والبراهين المقنعة، وهذا ما يميز قضيتنا التي تتضمن كما هائلا من الانتهاكات والممارسات غير الإنسانية بحقه، على ان تكون حقيقية وذات مصداقية، فصورة الشاب الفلسطيني الذي ينزف وهو ملقى على الارض وسط سيل من الشتائم بعد إصابته، تعتبر مادة إعلامية ثمينة، الا أن التسرع في إطلاق الأحكام عليها، أضعف روايتنا وهز مصداقيتها.
المضمون الإعلامي وطريقة تناوله لم يخدم الصورة المتداولة، وجعله مادة دسمة للإعلام المضاد لضرب المصداقية الصحفية، وهذا ما عبر عنه السفير الإسرائيلي في خطابه في الأمم المتحدة في الخامس عشر من اكتوبر الجاري، الذي حاول فيه التشكيك بالخطاب المتداول، إضافة إلى ما تناقلته وكالات الأنباء الدولية بشأن توعد أحد أئمة المساجد في قطاع غزة وهو يحمل سكينا مهددا بقتل اليهود والمستوطنين.
وختاما يمكن القول، ان الإشكالية الحقيقية تكمن في صياغة خطاب إعلامي ناضج ورسائل إعلامية هادفة، بعيدا عن لغات الوعيد والانتقام، وإظهار الحقائق للعالم دون مغالاة، وتوحيد الرسائل في إطارها العام وتدعيمها.آخذين بعين الاعتبار اختلاف الجمهور ومنطلقاته السياسية والفكرية والثقافية وسياقاتها، فالبرغم من امتلاكنا الأدوات والتقنيات اللازمة لنقل الرسالة الإعلامية من خلال الاعلام الجديد الإ أن المضمون بحد ذاته يحتاج إلى معالجة جوهرية.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي