الصدمة الأولى
حنان باكير
المنافي ما زالت مقصد اللاجئين الفارين من جحيم أوطانهم. اللاجئون السوريون، هم الأشهر في هذه المرحلة. ويليهم العراقيون. وما زالت الفضائيات تنقل مشاهد معاناتهم، وصور المراكب البسيطة، غير المهيأة للإبحار عبر شسوع البحار، وما زال البحر يبتلع الأجساد الطرية، وما زلنا نذرف الدموع لتلك المشاهدات. ونخال ان مأساة الواصلين، الى بر جنان الغرب قد انتهت. ويستطيعون الآن التقاط انفاسهم بعمق.
لكن يبدو أن الواقع غير ذلك، ربما في البداية فقط، وبعد قليل تأخذهم التفاصيل، والحياة اليومية، لتفرض عليهم التأقلم. لكن ليس الآن على الأقل. في ساحة أحد مراكز الايواء المؤقتة، يتجمع الشباب، غالبيتهم طالت لحاهم، فقد وصلوا حديثا بعد رحلة استغرقت قرابة الشهرين. وتوزعت مواصلاتهم ما بين السير الطويل، وركوب سيارات المهربين، الذين يتخلون عنهم، ويتركونهم في أماكن لا يدرونها، ثم ركوب البحار وما تنطوي عليها من مخاطر.
بعض النسوة، ما زلن يشكين من التهابات في أقدامهن، جراء المشي الطويل. أمراض تغيير المناخ منتشرة، رغم تقديم الدول، بعض الملابس التي تناسب الطقس. وغالبا ما يزورهم الأطباء في مراكز اقامتهم.
في ساحة احد مراكز اللجوء، يتجمع الشباب، يحكون قصص معاناتهم وما لاقوه في رحلة الآلام تلك. لكنك تلمح الانكسار في عيونهم، حائرون، التوتر يجعلهم في حركة دائمة، مثل نمور داخل أقفاصها.. ينتظرون أحدا، يحكي لغتهم، ويمكنهم أن يلقوا عليه اسئلتهم التي لا تنتهي. وماذا بعد؟ الى متى سنبقى هنا؟ يقال إنهم سينقلونا الى مناطق نائية، هل هذا صحيح؟
وهنا تدرك تماما، مأساة الذين ما عادوا لاجئين، بل اصبحوا مواطنين، ومع ذلك يخشون الاندماج في البيئة الجديدة. والى حد رفض المجتمع الجديد، بكل ما له وما عليه. ليسوا جميعهم، ولا نتحدث الآن عن الذين حققوا نجاحات مقبولة.
نعود الى لاجئي اليوم. كانت اسئلتهم تدور أيضا حول، مصير اطفالهم، كيف وماذا يتعلمون؟ وهل حقا ان الدولة تتدخل في تربيتهم؟ وهل يستطيعون العيش وفق تقاليدهم وعاداتهم؟ يسألون والحيرة في عيونهم والقلق باد على وجوههم. انها الصدمة الاولى يتجرعونها، لكن يصعب ابتلاعها، كل شيء يبهرهم، من الطبيعة الى الموظفين والمحققين، بدايات برد لم يعتادوه.. كل شيء صادم ومرعب، ناهيك عن الإرهاق الجسدي.. ولا تملك الا ان تهدئ من روعهم، وتطلب منهم الصلاة والشكر لرب العالمين، الذي انقذهم من الجحيم.
بعض اللاجئين، جاءوا بتصور مسبق، مخالف لما وجدوه.. قال أحدهم بحدة: نحن لن نرضى بمستوى معيشة، أقل مما كنا عليه! كنت اسكن في بيت كبير ولدي خادمة، ولن ارضى بأقل من ذلك! حسنا، قلت له، الملك هنا ليس لديه خادمة ولا الوزير ولا النائب.. ومع ذلك أصرّ على البيت الكبير والخادمة!
احد اللاجئين جاء مع زوجته، البالغة من العمر اربعة عشر عاما، وهذه تعتبر جريمة بحسب القوانين الغربية، فتم التفريق بينهما، ولا أدري كيف سيتم التعامل مع هذه القضية، فترثي لحاله ولأحوال الآخرين، الذين صدمتهم الثقافة الجديدة، مع اولى خطواتهم في المنافي. وأنهم بدأوا بمواجهة متاعب من نوع جديد.. من حروب مدمرة، الى مخاطر السفر، ثم مخاطر ثقافة جديدة ترعبهم على مستقبل أولادهم.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي