قرآءة في رواية "وطن الجيب الخلفي" للروائية منى الشيمي
شريف العصفوري

الرواية الفائزة بجائزة "كتارا" العام الماضي، للكاتبة المصرية منى الشيمي، الكاتبة لها ثلاثة مجموعات قصصية وأربع رويات منشورة، الرواية تتخذ من اسوان مسرحا لها و تنتقل بالحكي إلى جزيرة "إلفنتين" بنيل أسوان، هناك روايتان داخل السرد، رواية اجتماعية واقعية عن مصري ترجع أصوله إلى أسوان ونكتشف معه هجران والده لأسرته مع أمه و شقيقه و شقيقته، في القاهرة نحن نتمشى ونعيش طفولة "ناصر" المتسمي تيمنا بجمال عبد الناصر، نعيش طفولة ومراهقة ناصر في باب الشعرية وباب الفتوح وما حولهما والمدرسة الإعدادية والثانوية ودخول الجامعة وقصة الحب الأولى والخطوبة المهزومة بالعوز والفقر وقلة الحيلة.
"ناصر" في سرد متردد بين الزمان الآني و ذكريات "فلاش باك" يتعرف على بعثة آثار ألمانية و يعمل مع أفرادها ويتعلق بشخصية من أفرادها فيهاجر إلى ألمانيا تاركا مصر، وأمه، هنا يتعقد النسيج الروائي وتطرح الأسئلة على مهل و بدون تعجل بعد بناء الدراما بحرفية، تعلق طبيعي بين الإبن المدلل أو الأثير لدى والدته، عبر رحلته في الحياة و إحباطاته و انتصاراته ، الحياة فوق الكفاف هو الإنتصار حقيقة في بلد يستعر بكل تلك المشكلات ، في الأخير تتعقد الأسئلة حول ما هية الوطن ، ذلك الذي نحب هواءه و رائحته و نتذكر صبانا وسط صبابتنا لكل من يسكنه، أم ذلك الوطن الذي يحفظ الحقوق و يعطي الفرص ويسمح بالعيش الكريم.
مشاهد خطوبة ناصر لهالة ونتائجها ، تقابلها سهولة الحب والزواج لكلاوديا الألمانية، الفشل هنا نسبي ، فكلاوديا في الأخير تطلب الطلاق و الإحتفاظ بالولدين ، كلاوديا ليس لديها مشاكل أولا في العبور جنوبا للزواج من مصري أقل ثقافة وأكثر فقرا، ولكن عندما تتنازع أم كلثوم مع موسيقاها الغربية ، يفقد الزواج رباطه ، على فالق بين الشرق والغرب أو الشمال والجنوب .
الموسيقى هي رمز ذلك الإرتباط بين الوطن القديم مهما كان فظا وظالما وناصر المرتبط بأمه والدائم الزيارة لها، حتى تصل إلى اللحظة الفارقة على سرير الموت. حينها تتكاثر الأسئلة .
حرفية الكتابة المبدعة هو نسج خطوط الرواية مع سيناريو فيلم تسجيلي درامي "دوكو دراما" ، ليحكي قصة نعرف عنها القليل رغم تاريخيتها ، هناك على جزيرة ألفنتين من 2500 سنة ، عندما كانت مصر تحت الإحتلال الفارسي ، عاشت على الجزيرة جالية يهودية لها معبدها ، قصص الحب و الزواج و العشق تتبادلها القصة الأولى المعاصرة مع الثانية التاريخية .
ثورة 2011 تتماثل مع ثورة للمصريين ضد الإحتلال الفارسي ، "قدبوني" قائد ثورة الدلتا ضد الفرس ، لا يماثله قائد في ثورة 2011 ، الإمبراطور الفارسي داريوش يموت ، و يرث عرشه الإمبراطور أردشير الذي تتفكك على عهده الإمبراطورية الفارسية و بالذات قبضتها على مصر . حسني مبارك لا يموت ! و المجلس العسكري يحكم ، أردشير يتلقى الرشاوى و الشكاوى .
القصص التوراتي حاضر في ثنايا السيناريو الذي يكتبه الألمان و يشاركهم المصري ناصر في التساؤلات و الإعتراضات ، بيت "يهواه" هو المعبد اليهودي في الفنتين إلى جانب ثلاثة معابد مصرية ، لآلهة زالت دولتها خنوم و ساتيس ، هناك صراع بين الجاليتين المصرية و اليهودية ، يفضحه الغلاف الأخير للرواية ،
رواية ثالثة مكتومة تربط بين الرواية الأولى المعاصرة و تلك القديمة ، هي سرقة الآثار المصرية التي تتابعها الرواية في سقارة و المنيا و كفر الشيخ و أسوان و كل بقاع مصر ، بالتزامن مع الثورة ، سكان البلد يبددون تركة أجدادهم و من كثرة السرقات تتهاوى أسعار المسروقات في مزادات العالم .
الرواية تحذرنا من نهب منظم لآثار الشرق في سوريا أثناء الحرب الأهلية الدائرة الآن ، و الغزو الأمريكي للعراق من 2003 ، هل هناك مؤامرة عالمية لمحو هويتنا الثقافية ؟ أم أن آثارنا أكثر أمنا في إيدي من يعرف ؟
ناصر يشكك في دوافع اصدقائه الألمان ، و يعترض على وضع اسمه في طاقم الفيلم ، لأنه يظن أن الفيلم ضمن مؤامرة "غربية" لإثبات ليس فقط وجود جالية يهودية ، و لكن عمل مظلمة أن اليهود طردوا من مصر بدافع إضطهاد ديني في العصر المتأخر ، هناك مخطوطات حقيقية تاريخية باللغة الآرامية ، هي السند التاريخي و المرجع لبناء الدراما الوثاثقية ، و لكن ناصر يقرأ من بين المخطوطات أن الوجود اليهودي ظل قائما في مصر و لم ينتهي بالطرد في ثورة قدبوني ، و أن محاولة خلق المظلمة التاريخية افتراء على التاريخ و تضليل ، تقول مخطوطات أخرى أن الوجود اليهودي كان موجودا من ثلاثة آلاف سنة !! .
الرواية مليئة بالوقائع التاريخية و البحث ، الذي لا شك هو مضني ، ليس فقط في التاريخ اليهودي في مصر ، و مسرح أحداث لم نزوره في التاريخ و لا الجغرافيا في أقصى جنوب مصر ، مسرح تتداخل فيه الديانات القديمة مع اليهودية و الإثنيات النوبية و الفارسية و العبرانية و المصرية و اليونانية .
نافذة تفتح على شخصيات تتحاب و تكره في أقصى جنوب مصر ، بين عبرانيين ( اللفظ الأصح لليهود ) و مصريين ، عادات و تقاليد مصرية و عبرانية ، لغات آرامية و مصرية و فارسية ، الختان و الخطوبة و عقد القران و المهر و الطلاق ، مؤسسة الإستعباد ، و طقوس الذبح ، اعياد المصريين و أعياد العبرانيين ، تنافس عقائدي ، و كأن وادي النيل لا يتعلم التسامح بعد كل ما مر به !!؟؟ .
*روائي مصري
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت