في عقبة درويش
حنان زيادة

هذه المرة الأولى منذ سنة أسير في زقاق عقبة درويش، عمّي جميل الكهل يسند ظهره المتعب على الحائط أمام الدكان القديم، أسير في الزقاق وداخلي ألف خطوة تبعدني للخلف، أسير وكأن قلبي منصة للاعدام /إعدام الذكريات والأشخاص.
عمّي جميل يعاني من حساسية في رئتيه، يعاني من أجواء الخريف، نصحه الدكتور بأخذ بخاخ كلما شعر بالضيق في صدره، في كل مرّة عمّي يشعر بها في الضيق يقرّر أن يسير لمدة ربع ساعة في الزقاق العتيقة لعقبة دروي ، وتمنحه الأسوار الهواء والثقة، فتلتئم القصبات برفق مثل ضمادات وضعها الله خلسه على صدره، بقيّ البخاخ في جيب عمّي جميل مغلقا لأكثر من عام .
هذه المرّة صدمني ضعف عمّي ووهنه، جلست قربه دون أن أتحدث، فقط أراقب كيف تنمو التجاعيد برفق حول قلبه، أراقبه كيف يتناول البخّاخ بخجل من جيبه ويعيد النفس إليه ببطء، شلومو أصبح جار عمّي جميل يشرب القهوة العربية بالبُن المحروق يحرق السوجار الكوبي علي النافذة.
عمّي يراقب زوجة شلومو وهي تمسح النافذة، وتشكو من سوء الزجاج ومن البقع العالقه به ، وعمّي يضحك في سرّه كلما سمعها تشكو لزوجها المتكئ على النافذة
مثل كلب ألماني شرس، وهو يواسيها لقبح الزجاج! ويعدها بتغييره.
عمّي جميل يضحك في سرّه؛ لأنه يعلم أن البقع العالقة على الزجاج ليست إلا رائحة الزقاق ورائحة الحيّ المفعمة بالدفء، البقع العالقة ليست إلا ذكريات .... ذكريات لا تمسح ولا تتم السمسرة عليها، ذكريات بإمكان عمّي أن يديرها مثل إسطوانة أمامه وقتما شاء.
عمّي جميل هو الشاهد والحدث ،هو عقبة درويش بأكملها، العقبة التي تسير بها الآن مثقلا، كأن شيئا ما وضع على صدر ، شيء أشبه بشلومو، شيء أقبح من سماسرة الحيّ ومن لصوص الوقت والذكريات.
عمّي جميل بقيّ مترسخا مكانه، ينبت مثل عشب لطيف على نافذه البيت، عمّي جميل هو البيت، عمّي هو الحيّ .
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت