بسبب الريح
يديعوت – ناحوم برنياع

اثناء ولاية احدى الحكومات التي تولى فيها ايهود باراك منصب وزير الدفاع سألته ماذا كان سيحصل لو أن الجيش الاسرائيلي احتل قطاع غزة وسلمه للسلطة الفلسطينية؟ مثلما يعرف كل طرف في غلاف غزة، فان الاحتلال هو القسم السهل؛ فاليوم التالي يخيف الجميع.
اما باراك فقد رد علي بجواب احجية: "هذا لا يعمل على هذا النحو"، قال ولم يضف شيئا. بعد وقت ما علمت أنه عرض السؤال نفسه، الى هذا الحد او ذاك، على ابو مازن في لقاء اجراه معه في الاردن. فرفض ابو مازن الفكرة رفضا باتا. "نحن لن نعود الى قطاع غزة على حراب اسرائيل"، أجاب. باراك وزملاؤه، رؤساء الوزراء ووزراء الدفاع، عادوا واقترحوا على المصريين ان يأخذوا غزة اليهم، ناشدوا مبارك، ناشدوا عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية. وكان الجواب لا، انسوا هذا. في الضفة تدور رحى حرب على كل قطعة عقار. في غزة العقار يعرض بالمجان، واحد لا يريد أن يأخذه.
الخلل التاريخي وقع في 1978، في كامب ديفيد. مناحيم بيغن تفاوض على اعادة المناطق التي احتلت من المصريين في حرب الايام الستة. اعاد كل شيء، باستثناء مقطع شاطئ في طابا، اعيد لاحقا، وباستثناء القطاع. والاراء منقسمة حتى اليوم لماذا استبعدت غزة – هل لان السادات كان أبعد نظرا من بيغن أم ان بيغن لم يرغب في أن يدخل التاريخ، وفي خطابات معارضيه كمن تخلى عن شبر واحد من "اراضي بلاد اسرائيل" الانتدابية. مهما يكن من أمر، فقد علقنا.
الان، تعود اسرائيل وترنو بعينيها لمصر. رغم العداء الاساس بين حكومة السيسي وحماس، مصر هي العنوان. الموقع، الموقع، الموقع، يقول احد المشتركين في العملية في الجانب الاسرائيلي. قطر بعيدة – المصريون قريبون. تجري الاتصالات ضمن آخرين من خلال رئيس المخابرات نداف اغريمن الذي يتحدث مع المخابرات المصرية، التي تتحدث مع حماس وهكذا دواليك. مساء السبت، بعد يوم من المناوشات المتبادلة، دخل المصريون الى العمل. لم يتحقق اتفاق، ولكن اعطي وعد غامض للتخفيف التدريجي من اطلاق البالونات الحارقة. في الجيش الاسرائيلي يفترضون انه ستكون بضع جولات اخرى من الصواريخ وقذائف الهاون – واحدة او اثنتين على الاقل – الى أن تتحقق تسوية.
لقد كان التصعيد في نهاية الاسبوع مخططا. في الجيش الاسرائيلي اعد بنك اهداف للقصف، على أمل ان يرتكب الغزيون الخطأ المطلوب. نحن ولا مرة نبدأ: هذا معروف. وكانت الفرضية أن تطلق منظمة صاروخا. هذا لم يحصل، ولكن ضابطا في الجيش الاسرائيلي اصيب بشظية قنبلة يدوية بجروح لم تكن خطيرة، فأقلعت الطائرات. قصفت اهدافا من الجنوب الى الشمال – في رفح، في النصيرات، تل الهوى وبيت لاهيا. قصفت استحكامات، مخازن ومكاتب. في الجيش الاسرائيلي يدعون بان ضرب الممتلكات أليم لحماس اكثر من اصابة الناس، ولكن اصابة الناس تستوجب الرد باطلاق الصواريخ، اما الاضرار بالممتلكات فلا. هذه قواعد اللعب.
وبالتالي، يبذل الجيش الاسرائيلي جهدا جديا للامتناع عن الاصابة بالارواح. قبل كل هجوم، يطلق تحذير للسكان، على طريقة "انقر السطح". في سلاح الجو وفي قيادة المنطقة الجنوبية يتأكدون من ان الاهداف خالية من الناس. اذا كانت هناك علائم على حركة في المكان، يتأجل الهجوم. فتيان اثنان قتلا في قصف السبت الماضي: كان هذا خطأ.
ان الحساسية تجاه الخسائر في الطرف الاخر تنبع من اعتبارات عملية. لندع جانبا الخطابات العليلة على الجيش الاسرائيلي، الجيش الاكثر اخلاقية في العالم. فلا توجد مباريات مونديال للاخلاق. واحتلال ابن 51 سنة ليس اكاديمية لتأهيل لاعبين متميزين في هذا المجال. حتى يوم امس (الأول) قتل في المواجهات 152 غزيا.
مستوى التهديدات، مثلما تعرفه قيادة الجيش الاسرائيلي، لم يتغير. التهديد الاخطر هو تسلل "مخربين" مسلحين من غزة عبر نفق، عبر ثغرة في الجدار، من خلال حوامة او طائرة شراعية، والهجوم على بلدة في الغلاف. اما التهديد الثاني فهو اصابة صاروخ لمدنيين، في داخل بلدة. والتهديد الثالث هو الحرائق. منذ بداية المواجهة احاول ان ادخل الى التوازن الضرر الذي تلحقه الطائرات الورقية والبالونات. عبثا: فأمام الصور الملونة بالاحمر والاسود، امام جملة العناوين الرئيسية عن "ارهاب الطائرات الورقية"، امام الخطابات الحماسية للسياسيين، لا توجد ذرة احتمال لفحص واعد للمشكلة. 25 الف دونم احترقت حتى أول امس (الأربعاء) في غلاف غزة. ثلث المنطقة المحروقة، زراعية. بعد انتهاء الحصاد، تقلص الضرر للمزارعين كثيرا. ضباط الاطفاء في الميدان يدعون بانه لو لم يكن الحديث يدور عن هستيريا وطنية لتركوا قسما من الحرائق وحرصوا فقط على الا تنتشر: فثمن المياه، كما يقولون، اعلى من ثمن القش الذي احترق.
ليس الضرر الحقيقي هو الذي يجعل الطائرات الورقية تهديدا استراتيجيا، بل الاساءة للعزة. فنحن نرفض التسليم بحقيقة انه في الجولة الحالية في غزة هم الذين يلعبون دور داوود، ونحن في دور جوليات. يجننا انعدام الوسيلة لدينا امام فتيان يطيرون الورق في وجه الريح.
كما هو متوقع، فان الضجيج في اسرائيل حول اضرار الطائرات الورقية يعتبر في غزة انتصارا في المعركة واخرج الى الميدان المزيد فالمزيد من مطلقي الطائرات الورقية. في قيادة الجيش الاسرائيلي ردوا بغضب. فقد اثارت غضبهم على نحو خاص مساهمة صوت الجيش الاذاعة العسكرية، في اشعال إوار الخطاب الجماهيري. وبرأيهم فان صوت الجيش يساعد حماس.
الحقيقة هي أن معظم الطائرات الورقية تعترض باطلاق النار وباستخدام الحوامات. المشكلة هي الكمية. معظم الحرائق تسببها البالونات. ومنظومات الاخطار التي تم تطويرها تتيح اطفاء سريعا. ليس جيدا ان يسقط بالون حارق قرب روضة اطفال في بلدات الغلاف، ولكن عند هبوطه كان خرقة ممزقة تطلق دخانا – وليس بالضبط عبوة ناسفة.
ان الخطوات التي اتخذت لردع مطلقي البالونات أجبرتهم على التراجع الى الوراء. وهم يطلقونها من نوافذ المنازل. ومن يريد ان يطلق النار على مطلقيها، سيتعين عليه أن يقنصهم داخل نوافذ المنازل. والقتلى سيجلبون الصوايخ؛ حماس ستتوصل الى الاستنتاج بانه لا مفر امامها غير اخذ المزيد من المخاطر، توسيع مدى الصواريخ؛ وستكون اصابات في الطرف الاسرائيلي، وبينيت سيطلب عملية ونتنياهو سيتراجع فيدخل غزة. بعد 50 يوما، 100 مقاتل ومدني قتيل في طرفنا و1.000 قتيل في طرفهم واضاعة المليارات، سنعود الى النقطة ذاتها، بما في ذلك البالونات.
مسيرة السخافة، اسمت هذا بربارة توخمن.
البشرى الطيبة هي ان شعبا كاملا تجند لحل المشكلة: هذا هو الجانب الاخر، الايجابي، للانجراف في مسألة الحرائق. كل مطور مع تطبيقه. كل تكنولوجي اعلى مع حلمه في البيع الى الخارج. في غضون اسابيع أو اشهر لا بد سيتم تطوير تكنولوجيا مناسبة. وهذه ستتصدى ليس فقط للطائرات الورقية والبالونات بل لتهديد اكثر جدية بكثير – دخول الحوامات الى الساحة. ليس فقط من غزة، بل ومن لبنان وسوريا. ليس فقط حماس بل ايران وحزب الله اضا. التهديد بات هنا.
في 28 آب تبدأ السنة الدراسية في قطاع غزة. مشكوك أن تبدأ: وكالة الغوث، جهاز التعليم المركزي في القطاع، يهدد بالانهيار. دونالد ترامب صديقنا أوقف المساعدة.
ماذا سيفعل الاطفال الذين لن يذهبوا الى المدرسة؟ سيطلقون البالونات.
التقدير في اسرائيل هو أن غاز الطبيخ في غزة سينفد. طالما كانت المعابر مغلقة، فلا سبيل لاستئناف التوريد. الانفاق لمصر هي الاخرى مغلقة: معظمها اغلقتها حماس. بضاعة لا تدخل – بضاعة لا تخرج. دور الخياطة في غزة تنتج ملابس لشركة الموضة "زارا". الملابس عالقة.
يمكن للعالم أن ينسى غزة؛ اما نحن فلا: هذا ترف لا يمكننا أن نسمح به لأنفسنا. اذا كان لديكم شك، فأسالوا سكان الغلاف.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد