اسرائيل اليوم – غرشون هكوهن
طرفان للجدار
"لا خير أفضل مما يوجد" - هكذا يقول مثل عربي. وفي ضوئه ينبغي أن ننظر الى الصدامات العنيفة التي وقعت منذ الربيع على طول حدود قطاع غزة، ونجد فيها بعدا من البركة أيضا. في واقع الاحتكاك المتواصل، منحت دولة اسرائيل فرصة اخرى لاعادة النظر في الفرضيات الاساس التي قام عليها أمل حل الدولتين.
منذ ولاية ايهود باراك كرئيس للوزراء، مع تحقق الانسحاب من لبنان، اتخذت الفرضية بان الانفصال الاقليمي بين اليهود والفلسطينيين هو مصلحة اسرائيلية. وترسخ في القيادة الاسرائيلية مفهوم بان مثل هذه الخطوة ضرورية، حتى لو لم تترافق وتسوية سلمية. وعدوا بان الدينامية التي ستتطور مع تحقق الانفصال الاقليمي، بما في ذلك اخراج اليهود من المنطقة وبناء جدار ونظام حدودي متشدد، سينتج واقعا امنيا اكثر راحة.
بعد 13 سنة من فك الارتباط عن غزة يمكن أن يراجع بالمقارنة، مثلما في التجربة المختبرية تقريبا، اين تطور واقع امني اكثر راحة: في قطاع غزة، حيث تحقق انفصال مطلق، ام في مجالات "يهودا والسامرة"، حيث تحقق – بفكر رئيس الوزراء اسحق رابين – فصل جزئي فقط؟ من المجدي ان ننظر الى الفارق الذي نشأ بين المنطقتين، ولنراجع اين تتاح للجيش الاسرائيلي وللمخابرات الاسرائيلية حرية عمل أكبر. منذ حملة السور الواقي تجري كل ليلة، وكأنه أمر اعتيادي، نشاطات لاحباط "ارهاب" ذات طابع هجومي في عمق المدن ومخيمات اللاجئين في "يهودا والسامرة". وهي تتم بصلاحيات قيادة المنطقة الوسطى والمخابرات تبعا للسياسة الموجهة، دون ان نكون مطالبين بسياقات مصادقة خاصة من القيادة السياسية. حرية العمل هذه، الى جانب عوامل اخرى، تتيح الاستقرار الامني النسبي الذي تحقق في "يهودا والسامرة".
لنتخيل مثلا ان طائرات ورقية وبالونات حارقة كانت ترسل من حي صور باهر في القدس نحو حي هار حوما؛ الجيش أو الشرطة الاسرائيلية كان سيدخل مع سيارتي جيب فيحبط الحدث. اما في غزة فلا يمكن لهذا ان يحصل. في الانفصال الاقليمي التام وفي نظام الحدود، واللذين تصمما مع فك الارتباط في صيف 2005، فقد الجيش الاسرائيلي حرية العمل خلف الجدار. هذا لا يعني ان الجيش ضعف، بل انه في الظروف الناشئة، في انتظام حماس كمنظومة عسكرية كثيرة السلاح، فقد وضعت لكل عملية هجومية من الجيش الاسرائيلي شارة ثمن استراتيجية. بمعنى أنه رغم نجاعة القبة الحديدية، فان سلاح الصواريخ الموجود لدى حماس يشكل تهديدا على نظام الحياة الاعتيادي في اسرائيل، ويوجد في خلفية كل قرار لاستخدام الجيش الاسرائيلي. فالقوة العسكرية تقاس ليس فقط في قدرتها المادية للعمل بل وأيضا بمدى قدرة اصحاب القرار على اتخاذ القرار باستخدامها. ليس سرا أن معادلة المخاطر والاثمان، التي تترافق والقرار للعمل في ساحة غزة، باتت معقدة.
من المجدي ان نعرف: جدار الحدود يمنح فضائل للعدو ايضا. فهو يساعد حقا قواتنا في مسعى منع التسلل، ولكن بشكل متماثل يساعد الخصم ايضا على التعاظم وتنظيم الذات بامان خلف الجدار. فتحت رعاية الفصل الاقليمي نجحت حماس في بناء قوة عسكرية نظامية، منظمة على اساس كتائب وألوية، غنية بمنظومات نار الصواريخ المخبأة والمدعومة بمنظومة قيادة وتحكم ناجعة. كل هذا ما كان يمكن ان يبنى ويوجد دون التحقق الكامل لفكرة "هم هناك ونحن هنا". وفي هذا يكمن الفرق بين انتظام حماس في غزة المنفصلة من خلف الجدران، وبين مصاعب الانتظام في "يهودا والسامرة".
السياق الذي تطور في قطاع غزة منذ فك الارتباط يضعضع، بالتالي، الفرضيات الثلاثة التي عرضت في الخطاب الامني الاسرائيلي بمثابة امورا مسلما بها:
- مجرد الانفصال وتقليص الاحتكاك في داخل المنطقة سيخلقان ميل الاستقرار.
- اذا نشأت مواجهة عنيفة، فان تفوق الجيش الاسرائيلي في مجال القتال سيرتب الوضع دون تحد عملياتي حقيقي.
- بعد الانسحاب، ستنال كل عملية عسكرية المصادقة غير المتحفظة والشرعية الدولية.
لقد تحطمت في قطاع غزة هذه الفرضيات الاساس على ارضية الواقع. وهذه مجرد بعض الاعتبارات التي ينبغي مراجعتها بعيون مفتوحة، والسير نحو رفض خطوات مشابهة في "يهود والسامرة" وفي القدس.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد