عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 07 تموز 2018

هزة أرضية اقليمية

معاريف – أوري سيغال

يوم الاربعاء كنت في بحيرة طبريا. ذهبت لزيارة صديق. واحد من صحبة الاسرائيليين الطيبين الذين يدعمون كل سنة مجموعة من الفتيان والفتيات ذوي الاحتياجات الخاصة وينظمون لهم مخيما صيفيا لاسبوع تقريبا. وهم يكافحون في هذه اللحظة في سبيل وجود المنظمة التي تعنى بالاطفال، إذ انه في اسرائيل هذه الارض تتحرك كل الوقت، وتتغير فيها القواعد. اما المطالب والاساسات الاكثر تهالكا فهي في الهواء.

الارض اهتزت. حقا اهتزت. ففي الفجر روى لي الصديق بانه شعر بشيء ما يتحرك في الخيمة. بعد ذلك جاءت التقارير من سكان طبريا، العفولة وغيرها من البلدات في الشمال. المياه الزرقاء في بحيرة طبريا لم تشي بما يجري من تحت الارض. كما أن المياه الخضراء لنهر الاردن الجنوبي، التي تتلقى القليل جدا من الماء من البحيرة، بدت هادئة. اما الريح فقد حركت بلطف فروع الشجر. لا شيء تحرك بخلاف ذلك. وفي المساء كانت هزة اخرى، وفي الليل واحدة تالية. وفي نهاية الاسبوع كلنا نتحدث عن الاستعداد وفي الاسبوع القادم نتجاوز الامر. ومع ذلك، يوجد نصف نهائي المونديال.

كان هذا تذكير طيب على ما بوسعنا أن نفعله وما هو أبعد من قدراتنا. فالهزة الارضية التالية لم نتمكن من منعها بل وحتى من توقعها – ولكن يمكن الاستعداد لها. المشكلة هي أننا لا نعرف بالضبط التفاصيل، مثلما في باقي الساحات التي تتصدى لها اسرائيل. وحسب موقع قيادة الجبهة الداخلية، فان المباني التي بنيت قبل العام 1980 لا تستوفي شروط المواصفات الاسرائيلية لاحتمال الهزات الارضية. كما يتبين بان المباني التي توجد فيها غرف محصنة تعتبر منيعة على نحو خاص. كل بيت يحتاج الى شرفة، وكل شقة ملزمة بغرفة امنة. هذا هو المشروع القطري القادم. اما الارض فهي المحفز.

 

الهدوء يستجاب بالهدوء

وبشكل غريب يشبه الامر ما يحصل في سوريا: فالهزة الارضية السياسية – الامنية – الاقتصادية خلفت مجتمعا محطما، ولكن المبنى الوحيد الذي نجا هو مبنى الحكم. الأسد هو المنتصر في برنامج الواقعية التلفزيوني "البقاء – الحرب الاهلية". ممثل الطائفة العلوية، "مجرم الحرب"، رجل الغاز، طبيب العيون الذي يرى من مسافة متر، نجح في أن يشق طريقه بين الكراهيات الشيعية والسُنية، بين ايران والسعودية، بين فلاديمير بوتين ونتنياهو، والعودة الى دمشق. فقد نجا فيما أن كل ما تبقى انهار.

ان خطة اسرائيل لتعزيز الحدود بواسطة الجيرة الطيبة والمساعدة لسكان سوريا هي خطوة شجاعة، هامة، أخلاقية ومتأخرة. فاسرائيل متعلقة برئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب وبرغبته في العودة الى الديار. فقد كان هو اول من ترك لمصيره المحيط في سوريا. اسرائيل لم تتبناه، ولكنها ستهجره مثلما هو الحال دوما لان المصالح تتغلب على كل شيء.

ايران لم تخرج من سوريا. هذا ما قالته لي قبل سنتين شخصية امنية رفيعة المستوى في اسرائيل. وقد شرح يقول: "هذا بسيط. ليس لبوتين قدرة على احداث ذلك، حتى لو وعد". اما هذا الاسبوع فقد قالت روسيا ذلك علنا: لا يمكن اخراج ايران من سوريا. نقطة. "ايران لا تعتزم التخلي عن نفوذها وتواجدها في سوريا"، يقول اودي سيغف، باحث كبير في معهد بحوث الامن القومي. "فهي تغرس قادة الحرس الثوري ومقاتلي الميليشيات الشيعية التي تأتمر بإمرتها في صفوف الجيش السوري، الذي يقاتل ضد الثوار في الجنوب بميليشيات النمور وميليشيات الدفاع الوطني.

"تقف محافل المعارضة وقوات الثوار في سوريا امام السيناريو المعروف لهجر الدول المؤيدة لهم في لحظة الاختبار. هذه المرة هؤلاء هم الولايات المتحدة، الاردن واسرائيل، الذين ايدوا قوات الثوار، وبالاساس الجيش السوري الحر، والان يقفون جانبا ويسمحون للتحالف المؤيد للاسد بضربهم وضرب المواطنين السوريين الذين يسكنون في المجال الذي تمترسوا فيه".

وعلى حد قول ديكل، فان رئيس الهيئة العليا للمفاوضات عن المعارضة السورية، ناصر الحريري، شجب ما وصفه "الصمت الأميركي" في ضوء الهجوم، وادعى بان فقط "صفقة سافلة" يمكنها ان تشرح انعدام الرد الأميركي في ضوء ما يجري.

في الاسبوع الماضي نزح نحو ربع مليون نسمة من منازلهم في اعقاب القتال. هكذا يتبين من معطيات نشرتها الامم المتحدة. معظم النازحين يتمركزون قرب حدود الاردن وبضعة الاف استقروا قرب حدود اسرائيل، في المنطقة المجردة من السلاح على الحدود بين الدولتين وفقا لاتفاق فصل القوات بين اسرائيل وسوريا من العام 1974. اسرائيل، التي تقدم المساعدة الانسانية للنازحين ممن استقروا على مقربة من الحدود الشمالية، اعلنت بانها لن تسمح للجيش السوري بالدخول الى المنطقة المجردة من السلاح، وعلى سبيل استعراض التصميم عززت قواتها في هضبة الجولان.

ويضيف ديكل بانه "لا يمكن تجاهل الغموض الاخلاقي لاسرائيل في ضوء المصلحة الامنية. ولكن يمكن الحفاظ على سلسلة من القواعد والخطوط الحمراء. ونتنياهو يفعل هذا بنجاح في السنوات الاخيرة في الجبهة الشمالية. الفكرة هي حرية العمل حيال ايران في سوريا، بل ان هذا مفضل من ناحية عملياتية. والثاني هو منع تعاظم القوات، والثالث هو سياسة الهدوء على الحدود. الهدوء يستجاب بالهدوء وبالمساعدة".

في ضوء هذه الاحداث يطرح السؤال اذا كان ينبغي مواصلة نزع الشرعية عن الأسد أم التسليم بالواقع بانه عاد وهذا هو. ويوصي ديكل بابتلاع الريق والسير في اتجاه خطوة متداخلة ويقول ان "اسرائيل اختارت التسليم بالميل بان الأسد ينتصر في الحرب الاهلية والامل بان يفوق النفوذ الروسي في سوريا نفوذ ايران. والان نجد أن اسرائيل مستعدة لان تسلم بعودة سيطرة الأسد على مجال الحدود، في ظل الفهم بان قواته مدعومة من الميليشيات الشيعية وجيشه موجه من ضباط ايرانيين. وكل هذا في توقع عابث بان روسيا ستبعد القوات الايرانية وفروعها عن سوريا.

"ومع ذلك، في اسرائيل تجربة ايجابية لحدود هادئة ومستقرة قبل الحرب الاهلية. فعندما كان الأسد يسيطر في هضبة الجولان ويشكل لها عنوانا مسؤولا لما يجري خلف الحدود. يبدو أن اسرائيل تقدر اليوم بانه في الوضع الجديد ستكون للاسد مصلحة في الحفاظ على الهدوء في الحدود، لان مصالحه لا تتطابق تماما ومصالح ايران وحزب الله. واذا كان هذا هو الوضع، فمن الصواب ان تبدأ اسرائيل بخوض حوار مع نظام الأسد، في هذه المرحلة على ما يبدو من خلال روسيا، لتثبيت الاستقرار والهدوء في هضبة الجولان، وتحديد قواعد اللعب والبحث في القيود على التواجد الايراني.

"الى جانب ذلك على اسرائيل أن تواصل ابداء التصميم على منع بناء بنية تحتية عسكرية ايرانية في سوريا، مع التشديد على القدرات التي تهددها، وكذا مواصلة الاحتفاظ بورقة الضرر التي يمكنها ان تلحقه بنظام الأسد، اذا ما خرج عن التفاهمات وعن قواعد اللعب المقررة.

نعم على اسرائيل أن تقرر قواعد الجيرة الطيبة، دون الدخول الى هوية الجار والسؤال اذا كان مجنونا، منبوذا او متزمتا. ما هو خير في الجولان سيكون خيرا حيال حماس في غزة ايضا. من المجدي العمل على الاساسات الان، قبل أن تأتي الهزة الارضية الاقليمية التالية.