"أقمار" لليانة بدر: دمٌ في شوارع غزّة
عماد الدين موسى

تحملُ نصوص ليانة بدر قدراً كبيراً من شِعريّة السَرد في تناولها لهموم الإنسان الفلسطيني ومعاناته اليوميّة، تلك السرديّة الخافتة والسلسة في الآنِ معاً، مع إضفاء لمسةٍ من الإدهاش على أجوائها، وذلك من خلال اعتمادها عنصر "المفاجأة" أو ما يسمّى ببؤر التوتّر وتحديداً في النهايات. نصوصٌ تقف على مآس وآلام طالما شاهدناها عبر شاشات التلفزة في صورٍ حيّة ومباشرة، تستعيدها هنا الشاعرة من جديد في قالبٍ أدبيّ جديرٍ بالمتابعةِ والقراءة المتأنية، حيثُ نجدُها تقفُ تحديداً على مأساة "غزّة" بوصفها المأساة الأكثر قساوة ووحشيّة- حصلتْ ولا تزال- في بلادها.
في كتابها الشِعري الجديد "أقمار"، الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو- 2017)، تمزج الكاتبة والشاعرة الفلسطينية ليانة بدر ما بين "الحدث" المرئيّ و"النص" المدوّن، في تداخلٍ حميمٍ وخلّاق، فيأتي كتابها في صيغةِ شريطٍ سينمائيٍّ يوثّق جوانب عديدة من الحياة اليوميّة الراهنة وما لها من وشائج عديدة، جنباً إلى جنب مع عنايتها بالتقاط كل ما هو مهمّش، وهو ما يجعلُ نصّها بصريّاً/ تصويريّاً أقربَ إلى "البصيرة" منه إلى "البصر". في نصّ بعنوان (أقمار)، والذي حمل عنوان الكتاب، تسترسل الشاعرة بدر في وصف تمهيدي للمشهد حيثُ إخوتها الحالمون بغدٍ أجمل يحملون آمالهم كالأقمار على أكتافهم وفي راحاتهم، لكن يبدو أنّ أعداء الحياة كانوا لهم بالمرصاد، أولئك القنّاصين/ الوحوش/ حرّاس الحجيم، حيثُ تقول: "يَحمِلونَ أقمارَهُم/ كي يطيروا/ فيرسلهُم الحُرّاسُ توّاً إلى الجحيم./ يرسمون أطفالَهُم على مخدّاتِ الريش/ ثمّ يضطجعُون موتى/ على الرصيف./ يُنادون أيّامَهم القادمات في المظاهرة/ حتّى تُدرِكَهُم/ طَبَنْجاتُ القنَّاصين./ هؤلاء إخوتي الذين دثَّروني/ قبل أن تلحقَهُم/ أسرابُ الوُحُوش". هذا النصّ مثل غيره الكثير من نصوص الكتاب أشبه بالمرثيّة الصامتة والصادمة معاً، طالما الألم رغم الأمل يكاد لا يفارق أجواءه.
مشاهد من "غزّة"
بعيداً عن العنوان الرئيس للكتاب "أقمار"، والذي يوحي بشيء من الرومنسيّة، تتوغّل العناوين الفرعيّة إلى أماكن قصيّة وبعيدةً كل البعد عن التشبّه به، سواء عناوين الأقسام أو حتى عناوين النصوص، كذلك نجد بأنّ عوالم النصوص مُختلفة ومغايرة تماماً من جهة المضمون والمواضيع التي يتم تسليط الضوء عليها، فنقرأ على سبيل المثال عناوين داخليّة من مثل: "سماءٌ مليئةٌ بالشوك والنجوم"، "الغريبُ الذي لم أعرفه"، "حرّاس الجسر"، "الحدود"، "خيانة"، "ما زال دَمُ الجَوْز"، "تفتيش"، "المعجزة"، "استغاثات"، "عودٌ وألفُ ناي"، "الحصار"، و"كنتُ.. قبل هذه الحروب"؛ حيثُ نلاحظ أن جميعها تَغْرِفُ من مفردات ذلك الواقع المؤلم الذي يعيشه الفلسطيني تحت نير المحتل الغاصب. في نصّ بعنوان (هذا المساء) تمهّد الشاعرة بدايةً لدخول المشهد بسردها للحدث اليوميّ، المكرور والمُمِلِّ ربّما، فالقمر يزيّن السماء والشجر يتمايل غنجاً ودلالاً تحت الشرفةٍ، حتى أبراج الحظ تبدو على حالها كالتماثيل الصمّاء، حيثُ تقول: "هلالٌ يُتَوِّجُ السماء بقوسٍ من الضوء،/ أوراقُ شجراتِ الصفصافِ ترشقُ فضّةً على شرفتي،/ برجُ "العقربِ" يقبع في مكانهِ الجنوبيِّ مثل كلّ يوم"، ثمّ تتابع، لينتقل المشهد من الهادئ إلى حالةٍ من الغليان، وليحدث ما يشبه الانفجار: "غيومٌ مُحترقة إثر اشتباكات بين الفتية والجيش المُدجَّج،/ شهيدٌ هنا، وشهيدٌ هناك،/ كلُّ شيءٍ في مكانه المُعتاد/ عدا الدَّم الذي يفورُ في شوارعِ غزّة".
اللغةُ، هنا، رغم منسوب "الوجع" المرتفع، تبدو نقيّة وهادئة أكثر ممّا ينبغي؛ إذْ ثمّة انسيابيّة جليّة بالنسبة لعبارتها، وهو ما ينسحب على معظم نصوص الكتاب، الواقع في مئة وثماني عشرة صفحة من القطع المتوسط. لتؤكّد الشاعرة في نصّ قصيرٍ ومكثّفٍ حمل عنوان (بستان) بأنّ "اللغةُ بستانٌ/ والشِّعْرُ فَجْرٌ يُطِلُّ عليه"، مختصرةً بذلك نظرتها الجماليّة إلى اللغة تحديداً ومن ثمّ الكتابة (ومنها الشِعر) عموماً.
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت