بعد ثلاثين عاما.. يعالون يُلمح بقوة: أطلقت الرصاصة الأخيرة على جسد أبو جهاد
القدس عاصمة فلسطين/رام الله - وفا- يامن نوباني- خمس وسبعون رصاصة، في جسد خليل الوزير "أبو جهاد"، ثمانية منها في القلب، لم توقف نبض الانتفاضة الأولى، بل دفعتها لإعلاء عباراتها الأولى: لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة.
بعد ثلاثين عاما من اغتيال ابو جهاد، ليلة 16 نيسان 1988، في منزله، في حي سيدي بوسعيد في تونس، وفي إشارة قوية، تشبه الاعتراف والتأكيد، لمح وزير جيش الاحتلال السابق، وقائدة وحدة "سيرت متكال" في ذلك الوقت، موشي يعالون، مساء أول أمس، الثلاثاء، عبر شاشة تلفزيون الاحتلال بأنه من أطلق الرصاصة الأخيرة على جسد الشهيد.
وقف فوق رأس طفلنا نضال (عامين)، أطلق رصاصة على رأس ابو جهاد، وكان خامس من يطلق النار عليه، فقد سبقه أربعة مسلحين مقنعين تناوبوا على إفراغ مخازن أسلحتهم الرشاشة في جسد الشهيد، الذي أخرج مسدسه حين وصلوا مدخل الغرفة، وأطلق رصاصة، ليتراجعوا قبل أن يتقدم الأول، ويطلق الرصاص على يده، ويسقط مسدسه، ويصيبه بثماني رصاصات جعلت جسده يتأرجح فتقدمت باتجاهه خشية أن يسقط، فصوب مطلق النار سلاحه على ظهري وأدارني على الحائط، وكنت أراهم يدخلون واحدا تلو الآخر لإطلاق الرصاص على ابو جهاد، وبعد رصاصة يعلون الأخيرة صرخت بهم: بس.. كفاية. تقول انتصار الوزير زوجة ابو جهاد، لـ "وفا".
الوزير أضافت: تلميح واعتراف موشي يعالون بقيامه بإطلاق الرصاص على ابو جهاد، معلومة قديمة ونحن متأكدون منها، لكن الغريب أن مجرم الحرب يعالون يفتخر اليوم بجريمته.
وتابعت: هذا الاحتلال الجاثم على ارضنا ما زال لا يؤمن بالسلام، تأكيد لجرائم الاحتلال كان هدفهم من اغتيال ابو جهاد هو انهاء الانتفاضة الاولى، لكن شعبنا اليوم مستمر بانتفاضاته، متمسك بأهدافه، ومبادئ الشهيد ابو جهاد، وشعبنا لن ينسى شهداءه، وسيستمر حتى تحقيق النصر يعالون، وأمثاله من المجرمين مصيرهم هو مزبلة التاريخ.
فضائية كان الإحتلالية التي نشرت التلميح في تقرير لها – ترجمه محمد أبوعلان- عن الوحدة الخاصة في جيش الاحتلال الإسرائيلي "سيرت متكال"، تحدثت عن عمل الوحدة ليلة عملية معلوت، وعن عملية عنتيبه، واغتيال ابو جهاد، واختطاف القيادي في حزب الله عبد الكريم عبيد من بلدته جبشيت، وحتى مقتل خمسة عناصر من الوحدة خلال التدريب على اغتيال صدام حسين، والذي كان في معسكر "تسألييم" في النقب، وعن عملية محاولة الإفراج عن جندي الاحتلال الأسير في حينه "نخشون" .
وجاء في التقرير: ابو جهاد تحول لهدف إسرائيلي مطلوب اغتياله، بعد مسؤوليته المباشرة عن العديد من العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، منها: عملية نهاريا، وعملية سافوي، وعملية ليماسول، ومقتل البحارة الثلاثة، وعملية حافلة تل أبيب.
معلومات استخبارية وصلت للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عن مكان إقامة ابو جهاد في تونس، رئيس الاستخبارات الإسرائيلية اتصل مع موشه يعلون رئيس وحدة سيرت متكال آنذاك قائلاً، مهمة اغتيال ابو جهاد ألقيت على عاتق الموساد، ومنذ سنوات لم نستطع تنفيذ المهمة، عليك التصرف.
في شهر مارس من العام 1988 مرر الموساد الإسرائيلي معلومات عن مكان تواجد ابو جهاد في تونس، ومسؤولية تنفيذ عملية الاغتيال ألقيت على وحدة "سيرت متكال"، بقيادة موشه يعلون، الذي قرر بشكل استثنائي المشاركة الفعلية وقيادة العملية.
قبيل عملية الاغتيال تم تصميم فيلا من الكرتون شبيهة بالفيلا المقيم فيها ابو جهاد، قائد سيرت متكال في حينه قال، "عندما اقتحمنا الفيلا شعرنا وكأننا كنت هنا في السابق."
من أهداف عملية الاغتيال كانت رفع الروح المعنوية لدى الإسرائيليين، وقتل الانتفاضة الفلسطينية الأولى، إلا أن النتائج جاءت عكسية.
اتخذ عملية الاغتيال في ليلة 15-16 من شهر إبريل، ومسؤولية خطة الإبحار لتونس ألقيت على سلاح البحرية الإسرائيلية.
خمسة كيلومترات من شاطئ البحر سارت الوحدة الخاصة الإسرائيلية "سيرت متكال" حتى وصلت منزل الشهيد ابو جهاد في حي سيدي بوسعيد، تم اغتيال أحد الحراس الذي كان جالساً في مركبة على مداخل الفيلا، بعدها اغتيل عامل الحديقة، ومن ثم اقتحمت الفيلا من الوحدة التي انقسمت إلى أربعة خلايا، 70 رصاصة أطلقت على ابو جهاد.
وزير الحرب الإسرائيلي السابق موشه يعلون ألمح في إطار التقرير عن وحدة "سيرت متكال"، التي اغتالت الشهيد ابو جهاد إنه هو من أطلق رصاصة على رأس ابو جهاد بعد اغتياله، لتأكيد مقتله.
سأل معد التحقيق يعالون "عدد من أفراد عائلة ابو جهاد قد أكدوا أن قائدا إسرائيليا كبيرا قد دخل غرفة ابو جهاد بعد أن أطلق عليه عناصر الوحدة الخاصة النار، فهل كنت أنت من أطلق النار للتأكد من الإجهاز على ابو جهاد؟". فرد "يعالون"، وهو يبتسم "لقد مات لقد مات"، في تلميح إلى أنه بالفعل من قام بعملية "تأكيد" القتل.
عملية الاغتيال جاءت بعد سفر ثمانية أيام في البحر ذهابا، وإيابا، بعد عملية الاغتيال حاول عناصر وحدة سيرت متكال البحث وبشكل سريع عن وثائق في غرفة المكتب الخاصة بأبو جهاد، لغاية الحصول على معلومات استخبارية حول خطط منظمة التحرير الفلسطينية.
تفاصيل الاغتيال:
اشترك في العملية أربع قطع بحرية منها سفينة حراسة "كورفيت"(corvette) تحمل طائرتي هليكوبتر لاستعمالها إذا اقتضت الحاجة للنجدة، كما تحمل إحداهما مستشفى عائما، وقد رست القطع على مقربة من المياه الإقليمية التونسية تواكبها طائرة قيادة، وطائرة أخرى للتجسس والتعقب. بحسب مقال للباحث في الشؤون الامنية والاستراتيجية سمير قديح.
وصلت فرق "الكوماندوز" بالزوارق المطاطية إلى شاطئ تونس، وانتقلت وفق ترتيبات معدة سابقاً إلى ضاحية سيدي بوسعيد، حيث يقيم (ابو جهاد) في دائرة متوسطة هادئة، وهناك انتظرت عودته في منتصف الليل، وقد انقسمت إلى مجموعات اختبأ بعضها بين الأشجار للحماية والمراقبة، وبعد ساعة من وصول ابو جهاد تقدم الإسرائيليون في مجموعات صغيرة نحو المنزل ومحيطه، فتم تفجير أبواب المدخل في مقدمة المنزل، دون ضجة لاستعمالهم مواد متفجرة حديثة غير معروفة من قبل، وفي ثوان صعدت إحدى المجموعات إلى غرفة القائد، وأطلقت الرصاص.
قطعوا الاتصالات التليفونية بتشويش عبر أجهزة الرادار من الجوفي منطقة سيدي بوسعيد خلال العملية، وعادت المجموعات إلى الشاطئ، حيث تركت السيارات التي استعملتها، وركبت الزوارق إلى السفن المتأهبة في عرض البحر، ثم عادت إلى اسرائيل في أربعة أيام وفي حراسة الطائرات الحربية.
صحيفة (معاريف) العبرية في عددها الصادر بتاريخ 4 تموز 1997 كانت أول جهة إسرائيلية تشير صراحة وبالتفصيل لتورط إسرائيل في العملية، وكشفت الصحيفة أنه تم إعادة (بناء) فيلا ابو جهاد التي كان يقطن بها في تونس العاصمة بتفاصيلها الدقيقة في إسرائيل، اعتمادا على عملاء لجهاز الموساد، الذي ساعد رجاله في تدريب الوحدات العسكرية على العملية داخل الفيلا الشبيهة في إسرائيل، وقالت الصحيفة: إن إيهود باراك (مساعد رئيس الأركان) وقت تنفيذ العملية، وزعيم حزب العمل عند نشر هذا التقرير في معاريف، هو الذي أعد للعملية وأشرف على عملية الاغتيال من البحر قبالة شواطئ تونس، وهو صاحب سجلّ حافل في عمليات الاغتيال. ولكنه لم يكن وحده، فمعاريف نشرت صور وأسماء القيادات التي خطّطت ونفّذت تلك العملية، وأبرزهم: إسحاق شامير رئيس حكومة الاحتلال وقت ذاك الذي صادق على عملية الاغتيال، وبعد تنفيذ العملية بنجاح أرسل برقية تهنئة لمنفّذيها، وكذلك إسحاق رابين وزير الجيش الإسرائيلي الذي أيّد تنفيذ العملية في جلسة المجلس الوزاري المصغر، وآمنون ليبكين شاحاك رئيس الاستخبارات العسكرية الذي وفّر معلومات لازمة لتنفيذ العملية بنجاح، و(ناحوم أدموني) رئيس جهاز الموساد الذي قدّم أيضاً معلومات دقيقة لإنجاح العملية، و(إيل رجونيس) ضابط الاستخبارات في دورية هيئة الأركان والذي بدأ، كما تقول الصحيفة بجمع معلومات في نهاية عام 1987 بعد تسريحه من الجيش، و(دان شومرون) رئيس الأركان الإسرائيلي الذي صادق على عملية الاغتيال.
وتكشف الصحيفة، أن إسرائيل استعانت بطائرة بوينغ 707 كانت تحلّق قرب الشواطئ التونسية لجمع معلومات وبثها والتنصت على الهواتف التي يستخدمها القادة الفلسطينيون، وأشارت الصحيفة إلى أنه أثناء الاستعداد لتنفيذ عملية الاغتيال، تمكّنت دوريات بحرية (إسرائيلية) بمساعدة شبكة الموساد في تونس، من التسلل إلى الشواطئ التونسية لتحديد المكان الأكثر أمناً لانطلاق وحدة الكوماندوز التي أوكل إليها مهمة تنفيذ الاغتيال.
قالت (معاريف) إنه في 8/3/1988، وبعد انتهاء عملية اختطاف الباص الذي كان يقلّ موظفي مركز الأبحاث النووية في ديمونا، عقد مجلس الوزراء الصهيوني المصغر، وعلى رأس جدول الأعمال اقتراح قدّمه جهاز الموساد باغتيال أحد أفراد منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن لماذا اتخذ القرار باغتيال أبو جهاد؟ تقر (معاريف) بأن هناك أسبابا عديدة كانت وراء قرار اغتيال أبو جهاد، ووضعت في المقدمة من هذه الأسباب الدور الرئيس لأبى جهاد في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، ولكن حديثها عن الأسباب الأخرى يكشف بأن قرار اغتيال أبو جهاد لم يكن وليد تلك الظروف المتعلقة بالانتفاضة، فالصحيفة تدرج سبباً رئيساً آخر يتعلق بدور أبو جهاد السابق في العمل المسلح ضد إسرائيل خلال سنوات طويلة ماضية ويسرد الصحفي الايرلندي (غوردون طوماس) في كتابه (انحطاط الموساد) ما جرى في تلك اللحظات الحرجة 'في 16 نيسان 1988 صدر الأمر بالتنفيذ، في تلك الساعة أقلع عدد من طائرات بوينغ 707 التابعة لقوة الجو(الإسرائيلية) من قاعدة عسكرية تقع جنوبي تل أبيب، كانت واحدة تقلّ إسحاق رابين، وعدداً من كبار الضباط (الإسرائيليين)، وكانت على اتصال دائم عبر لاسلكي سري بفريق الاغتيال الذي اتخذ أفراده مواقعهم بقيادة عميل اسمه الرمزي (سورد)، كانت الطائرة الأخرى مكدسة بأدوات المراقبة والتشويش، وكانت طائرتان أخريتان تنقلان خزانات الوقود، وعلى ارتفاع شاهق فوق الفيلا حام أسطول الطائرات في الفضاء، وهو يتابع كل حركة على الأرض عبر تردّد لاسلكي، وبعيد منتصف الليل في 16 نيسان، سمع الضباط المحمولون جواً أن أبا جهاد قد عاد إلى منزله بسيارة المرسيدس، التي كان ياسر عرفات قد قدّمها له كهدية عرسه.
ويكمل طوماس: من موقع قرب الفيلا، أعلن سورد عبر ميكروفون يعمل بحركة الشفاه أنه يسمع أبا جهاد وهو يصعد السلالم، ويذهب إلى غرفة نومه، ويهمس شيئا لزوجته ويمشي على أطراف أصابعه إلى الغرفة المجاورة لتقبيل ابنه النائم قبل أن يمضي إلى مكتبه في الطبقة الأرضية، كانت طائرة الحرب الإلكترونية، وهي النسخة (الإسرائيلية) لطائرة الرادار الأميركية إيواكس، تلتقط هذه التفاصيل وتحوّلها إلى رابين في طائرة القيادة، وعند الساعة 12:17 صباحا صدر أمره بالتنفيذ.
وبعد قرار التنفيذ هذا كان على (سورد)، أن يأمر رجاله بالتنفيذ، فأجهز أحد رجاله على سائق أبي جهاد الذي كان نائماً في سيارة المارسيدس. ثم تحرّك (سورد) نفسه مع أحد رجاله وفجّرا بوابة الفيلا بمتفجرات بلاستيكية لا تحدث صوتا، ثم قتلا حارسين فوجئا بالموقف على ما يبدو، ومن هناك اندفع (سورد) إلى مكتب أبي جهاد فوجده يشاهد شريط فيديو، وقبل أن ينهض أطلق النار عليه مرتين في صدره، ولم يكتف (سورد) بذلك، فأطلق رصاصتين إضافيتين على جبهته. وبعد كل تلك السنوات من تنفيذ العملية فقد اعترفت الأوساط الإسرائيلية أن العملية فشلت في هدفها الأساسي وهو إخماد الانتفاضة، بل إن الانتفاضة تصاعدت أكثر فأكثر.
ومن العمليات العسكرية التي خطط لها ابو جهاد، عملية نسف خزان زوهر عام 1955، وعملية نسف خط أنابيب المياه (نفق عيلبون) عام 1965، وعملية فندق (سافوي) في تل أبيب وقتل 10 إسرائيليين عام 1975، وعملية انفجار الشاحنة المفخخة في القدس عام 1975، وعملية قتل "البرت ليفي" كبير خبراء المتفجرات ومساعده في نابلس عام 1976، إضافة إلى عملية دلال المغربي التي قتل فيها أكثر من 37 إسرائيليا عام 1978، وعملية قصف ميناء ايلات عام 1979، وقصف المستوطنات الشمالية بالكاتيوشا عام 1981.
كما تحمل إسرائيل الشهيد المسؤولية عن أسر 8 جنود إسرائيليين في لبنان، ومبادلتهم بـ 5000 معتقل لبناني، وفلسطيني، و100 من معتقلي الأرض المحتلة عام 1982، وكذلك وضع خطة اقتحام وتفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، الأمر الذي أدى إلى مصرع 76 ضابطا، وجنديا، بينهم 12 ضابطا يحملون رتبا رفيعة عام 1982، وكذلك إدارة حرب الاستنزاف من 1982 إلى 1984 في جنوب لبنان، وعملية مفاعل ديمونة عام 1988، والتي كانت السبب الرئيسي لاغتياله.
_
مواضيع ذات صلة
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل
كيسان.. قرية تواجه الاقتلاع والاستيطان
اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟
مجسم "الفاضلية" في طولكرم.. شعلة تروي حكاية العلم والصمود
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!