"الرقص بأطراف مستعارة" لخالد بن صالح: صوت الشاعر
راسم المدهون*
في "الرقص بأطراف مستعارة" شجن يستلهم حميمية الحياة اليومية من خلال سوادها الذي يشيع في روح الشاعر ونراه هنا يشيع في السطور والكلمات. ثمة لغة مباشرة تؤسس فضاءها من صور شعرية فيها الكثير من انتباه لما في العيش من قسوة وما في القسوة ذاتها من ولع الروح بذاتها وحياتها واحتمالاتها كلها. قصائد هذه المجموعة تكتب نفسها بهدوء ولكن أيضا بيقظة عالية خصوصا باغتنائها بالتفاصيل الصغيرة والجزئيات التي تبدو عادة عابرة وثانوية:
"مختلف إيقاع اليوم
رقصنا،
كدمى تمسكها خيوط من السقف".
واقع معاش
هي شعرية تؤثث مشهدها بالواقعي، المعاش والمدرك ولكن المنسوج من رؤى جمالية تحقق نفسها في لوحات درامية لها حركيتها مثلما لها صدقيتها التي تحضر في مخيلة قارئ الشعر وتجعله قادرا على استعادتها في مخيلته.
في مجموعة خالد بن صالح يأخذ "السَرد" مكانة مركزية، إذ نحن أمام رغبة عارمة في "القول" و"الإبلاغ"، فهناك دوما صوت الشاعر، المباشر، والآتي من الذاكرة كي يحدثنا وكي يأخذنا معه في سردية لها حكائياتها التي تنتقي وتنتخب مروياتها وقد أعادت صياغتها في بنية شعرية ناعمة الإيقاع وتحمل الكثير من ظلال الصورة كما من ظلال المعاني.
رسم الكلمات
تغتني قصائد المجموعة بالحزن ويغتني بها، هي تجربة شعرية تنتسب للوجد في حالة خاصة حيث التعبير يتنكب عن "الفجائي" والفاجع فلا يستخدم مفرداتهما، ولكنه بدلا من ذلك يتوجه إلى الرسم الذي تؤسسه الكلمات بخطوط المخيلة وحبرها. الشعر هنا عيش في تلك المساحة الضيقة – الواسعة التي تلتقي فيها الروح الفردية بآلامها الذاتية مع الرغبة
هي لعبة الشعر حين ينتبه لعلاقاته بالمحيط الإنساني كلها: شغف الشاعر بالحياة كما لوعة الحياة ذاتها في زمن يطل على "اللاشيء" بل هو يتدلى عليه في مشهد من لقطة واحدة وحيدة. الشعر حرقة تمتحن ذاتها في الكتابة المحتشدة فتؤلف من ذلك الامتحان بهاءها ورونقها وتمنحهما لقارئ أصابه الضجر أو يكاد من تكرار الكلام الرتيب الذي تلفظه المطابع في اتجاهه ويسميه أصحابه شعرا. خالد بن صالح يخرج عن تلك الرتابة، بل هو يكتب نقيضها بحيوية تعيد الشعر إلى مكانه الصحيح لغة منكسرة بأحزانها وتتدرب على الرقص كي تكون الحياة جميلة أو أقل بشاعة.
استلهام الوحشة
عناوين لموضوعات وأفكار شتى تلمع خاطفة في سطور قصائد المجموعة وربما تتريث قليلا قبل أن تمضي، ومع كل تلك العناوين ننتبه إلى ولع الشاعر بالتجوال الحر في كل ما يعبث بروحه وما يدفع إلى حزن نراه يمرُ وئيدا بين السطور. هي قصائد تعيش وحشتها وتستلهمها، فالأشياء العادية، العابرة وقليلة الأثر، تأخذ مكانها كحجارة صغيرة ترصف فسيفساء الحزن والاغتراب فيما يشبه جدارية كبرى، عبثية ومنسوجة من الألم تدفع الشاعر والشعر نحو رصف كل تلك الحجارة الصغيرة ومنحها مكانها ومكانتها في أناشيد حزينة طويلة ومترابطة لا تنتهي بانتهاء القصيدة.
"هناك دائما سبب لوجود نهايات سعيدة
تشوه ما، ثغرة في السيناريو تجعلك تضحك على نفسك
وعلى الطبيعة، مسرح الحماقة واللاشيء".
عوالم ومناخات أجمل وأكثر إشراقا. قراءة قصائد هذه المجموعة الصغيرة والثرية في آن تحمل الكثير من متعة الشعر وفنياته، وخصوصا أنها تمزج بأناقة وفنية بين موضوعاتها وأفكارها وبين رهانها على إنتاج لوحات شعرية متقدمة تملك تأثيرها الحيوي في روح القارئ وتمنح مخيلته نعمة القراءة الخلاقة التي تجعله يستطيع استعادة كل ذلك ورسمه. فضاءات "الرقص بأطراف مستعارة" مفتوحة أيضا على التجريب بحرية عالية تعبّر عن نفسها في طلاقة الجملة وتحررها من أسر البنائيات التقليدية وحتى التقليدية الجديدة وما تخلقه عادة من ارتباكات للشعر والشاعر على السواء فتحرم القصيدة من وقعها في روح القارئ كما في مشاعره وإحساسه ومخيلته.
تجربة أخرى تضاف إلى ما هو جميل وحيوي في الحركة الشعرية العربية الجديدة وتغني تجربة الشعر الجديد في الجزائر الذي يشهد منذ سنوات تطورا كبيرا يجعله يواكب بجدارة واقتدار ما يدور في الساحة الشعرية العربية من تفاعلات وتطورات عاصفة فيها الكثير من التطور والجمال بالرغم مما يعلق بها من طفيليات نراها طبيعية الحضور ولا تقلل من أهمية الجميل.
"الرقص بأطراف مستعارة" مجموعة شعرية أنيقة ومسكونة بالهم الفردي على نحو يجعل الشعر شهادة روحية ويجعل الحزن فنا نبيلا يشير إلى ما في الحياة من عصف رقيق ومن سعي في اتجاه إشراقات إنسانية تلوح في المخيلة والروح وتداعب أحلام الشاعر. صدرت عن دار المتوسط - في ميلانو – ايطاليا
*شاعر فلسطين يعيش في دمشق
** شاعر جزائري
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت