عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 آب 2015

​العلاقة الملتبسة

حنان باكير

ترسم مخيلة الطفولة تصورات غريبة، لأحاديث الكبار التي تتناهى الى سمعهم، عن غير قصد. كنا نسمع عن الفلسطينيين الذين لم يغادروا ارضهم. وعن مجازر كثيرة ارتكبت، وان لم تنل شهرة مجزرة دير ياسين. لم استوعب حينها فكرة وجود طرفين، تربطهما علاقة ذئب وحمل في مكان واحد! وخلتُ ان من بقوا في ارضهم حتما لهم ميزات لا نملكها.

لاحقا صرنا نستشعر معاناتهم، دون معرفة التفاصيل، ففي الوطن أو الشتات يشرب الفلسطيني الحنظل ذاته، لكن بكؤوس مختلفة. اللقاءات العائلية بين الطرفين كانت تتم خلسة وبسرية تامة في قبرص، ولا يدري بها الا المقربون. فهذا النوع من التواصل محرم وممنوع، كجزء من مقاطعة دولة عدوة. فيضطر الفلسطيني للتسلل كي يرى أحبابه.

خلال اجتياح العام 1982، علمت بقدوم عائلة، من عكا لزيارة اقاربها في بيروت. لم آبه لأية مخاطر، فقط اريد ان ارى أناسا من فلسطين! ورغم اني لم اعد طفلة، الا اني توقعت رؤية بشر بخاصية مميزة.

ومع الوقت برز موضوع، محاربة التطبيع الذي احد اركانه واهمها، التواصل مع شعبنا في الداخل، ومكافأته على صموده وتمسكه بأرضه، بالقطيعة، والتخوين، ومشاركة المغتصب في حصاره له. وأضحت زيارة، الوطن تتسم بالتسلل، وتحاط بالسرية.

أبي رفض الدعوة لزيارة عكا عام الاجتياح، وكانت له مقولته "لن اذهب وحدي زائرا، فإما عودة مع جميع من خرجوا، والا فلا.. فهل أذهب لأتحسر على ارض وهواء وبحر كانوا لي.. وارى امما مختلفة، تحتل ارضي وسمائي"! فتعزز لدي الشعور بالخوف من العودة المؤقتة، حتى لا انطق بالكلمة التي تعذب الروح " زيارة".

لكن الحياة في الغرب، واختلاطنا مع فلسطينيي الداخل، أجج لديّ ولدى الكثيرين غيري، الشوق المكبوت لأهلنا، والحنين الى ترابنا. كنا نسمعهم يقولون:" راجعين عالبلاد، او عالوطن"! يتحدثون عن بيوتهم التي مازالوا يملكونها، وعن الحواكير، ونتذكر أننا في الشتات لا مكان لنا للرجوع اليه، ترحالنا كله يحمل سمة الزيارة، فنحن طائفة زوار متنقلة. هذه اللقاءات، جعلتنا ننعش حبا قديما، كساه غبار الرحيل والمجازر والاضطهاد!

لم تستطع كل التسميات التي أطلقت على شعبنا في الداخل، تغيير جوهره، انهم فلسطينيو فلسطين! وهم جزء من هذه الامة العربية، وجزء من سوريه الكبرى، ويتكلمون العربية بلكنة فلسطينية اصيلة.. بدأت حينئذ التبشير بضرورة، التواصل معهم، وعلى اي شبر من ارض فلسطين! وكانت التهمة الاولى لي جاهزة، اني عرفاتية! وكأنها سبّة او لعنة!

عندما زرت فلسطين عام 2008، تدّعم ايماني بأهمية ان يسافر كل فلسطيني وعربي، الى فلسطين! وكانت التهمة هذه المرة اني مع التطبيع! تلك المقولة التي ينطبق عليها: "كلمة حق يراد بها باطل".. فذاكرتي الشخصية موروثة عن ابي وامي، لكن السفر الى الوطن، جعل للذاكرة دليلا حسيا، تسترشد به.

مرحلة الانفتاح التكنولوجي وسرعة تطوره، أطلعتنا على تجذر شعبنا، ومقاومته المدنية.. من إحياء لذكرى المدن والقرى المدمّرة، واعادة احيائها، واخراجها من الذاكرة والوثائق، الى حيّز الواقع، وإحياء التراث والفلكلور الفلسطيني، التمسك بالارض.. والقرابين التي تقدم على مذبح الحرية يوميا.. كلها مشاهد تؤكد ان شعبنا لا يغفل عن اي وسيلة نضال متاحة، مهما بلغ الثمن !!

زيارة فلسطين هي دعم مادي ومعنوي لشعبنا في الداخل.. زوروها.