يا.. سَعد
عدلي صادق
أنت سَميُّ ابن الوقاص، الذي استثناه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بمنزلة خاصة، عندما قال له دون سواه، في معركة أُحد: "إرم يا سعد.. أُفديك بأبي وأمي". كان سعد الأول، أمهر الرماة، وصاحب السهم الأول، في المعركة الأولى مع الهَمَج الظلاميين. أما سعد الدوابشة، فلم يستطع من موقع رباطه في "قلائد العنبر" وهو الاسم القديم لقريته "دوما"؛ إلا أن يحمي رسوخ المعنى الذي أرساه الأقدمون، وتداوله الفلسطينيون كابراً عن كابر، منذ دوباش الأول: "من ابتغى العزة، فليبن مسكنه في دوما". كان أهل القرية الصغيرة، يأنسون للوافد، فيمنحونه أرضاً ويُحسنون وفادته، كأنما أدركوا بالحدس التاريخي، ضرورة تعظيم حشدهم، لأن أسراب الجراد والأفاعي السامة، سوف تتقصد القرية في الألفية الثالثة!
كان سعد، سليل دوباش الأول، سَميُّ ابن الوقاص؛ قد ابتنى بيته وتحققت له أسرته الصغيرة، في سياق سَرمدي لا ينقطع. لم يكن الشهيد، يتوقع لنفسه الموت حرقاً. كان يعرف أنه في سياق حرب من نوع آخر. لن يُجهزَ الجرادُ على أوراق أشجارنا، ولن ينال من البراعم ولن يتسمم النوّار، ولن يجف مجرى نبع "الرشاش" جنوبي القرية، الذي حفره الأقدمون من بني هلال!
تفتحت في مشتل الأسرة الصغيرة التي أشعل فيها الشياطين ناراً تتلظى؛ براعم الطفولة، التى أحرقوا أجملها وأصغرها، فقضى الرضيع عليْ. وليس أسوأ بالنسبة للشطيان، من سقوط القناع عن وجهه. عندئذٍ سيُنكر اسمه وعنوانه وبيئته، ويتبرأ من نفسه مثلما حاول نتنياهو أن يفعل.
لعل في سيرة سعد الأول، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة من أهل الشورى؛ ما يُغذي المعنى الذي رسمته حبات الرمل الأخيرة، من ساعة حياة وأوقات الدوابشة. هو المعنى الذي رُسم بفحم الحريق. ثمة، في أوقات فلسطين وحياتها، ما يعادل عند أصحاب الأرض والحق، إصرار سعد بن أبي وقاص على التمسك بمبدأه وبطريقِه الى الهدى والفلاح. كانت أمه، وهي الأعز، قد تشبثت بدين الآباء والأجداد، وعزّت عليها ذكرياتهم وذكرياتها في أكناف أصنام وأوهام. قالت له:"يا سعد، ما هذا الدين الذي قد أحدَثتْ؟ لتدَعنّه، أو لأكف عن طعامي وشرابي حتى أموت جوعاً وعطشاً ويُعيِّروك بي، فيُقال عنك قاتل أمه". رجاها سعد قائلاً: "لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشيء". مكثت أمه يوماً وليلة لا تأكل ولا تشرب حتى جَهِدت، فعاد لها سعد يقول:"يا أماه، تعلمين والله لو كان لك مئة نَفَس، فخرجت أنفاسك نفساً بعد نَفَس، ما تركت ديني. فإن شئت فكُلي أو لا تأكلي" فلما سمعت ذلك أكلت.
فإن كانت الأم نفسها، في وقت الجهالة، لم تغير عزم مؤمن، ولم تكسر إرادة لمُريد؛ فكيف سيفلح هؤلاء الأعداء الغرباء، الذين يتوهمون أننا بإرهابهم، سنحيد عن التمسك بالأرض وبهوية الأرض، التي هي دون السماء؟
في قرى التخوم، بل في قرى الوطن كله وحيثما ظل الناس على أرضهم؛ يحيا الناس ويرون في تشبثهم بوطنهم، استمساكاً بالعروة الوثقى. شأنهم شأن سعد الأول، الذي جاءه ابنه فيما هو مع غنمه في الأطراف. قال له ابنه عمر: "يا أبتاه، أرضيتَ أن تكون إعرابياً في غنمك، والناس يتنازعون في المدينة؟". دفع سعد صدر ابنه قائلاً: "إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي"!
على هذه الطريق، مات سعد الدوابشة، عبداً غنياً تقياً خفيّاً. مقابل السهم الاستثناني الأول، كان الحرق الاستثنائي الأول، لأسرة صغيرة، في المعركة الأخيرة الكبيرة، مع جراد الإجفاف، والأفاعي السامة ومع أصنام الظلام وأوهام الفجرة. نم قرير العين يا سعد!
مواضيع ذات صلة
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!