سينما فلسطينية في العالم: الحكاية الأصلية
نديم جرجوره

يتكثّف الحضور الدوليّ للسينما الفلسطينية، في الآونة الأخيرة. يتشكّل هذا من أفلامٍ مُنتَجة قديماً، أو في أعوامٍ قليلة سابقة، أو حديثاً، تُعرض في محافل ومهرجانات دولية، أو في احتفالٍ يتمحور حول مخرجٍ واحد، وتنفتح على أسئلة الهوية والمواجهة والمنفى والعيش والعلاقات.
الحضور الدوليّ
إذْ يتّخذ من السينما منحى لتواصلٍ إنسانيّ، يبلغ منافذ الحياة والمقاومة والتحدّي، كي يروي فصولاً من مقارعة محتلٍّ، ومن مسعى دائم إلى كسرِ جدران الصمت العربيّ إزاء أحوال الناس ومساراتهم ومصائرهم ـ يُساهم في إشاعةِ لغةٍ أهدأ وأجمل وأعمق، من أجل حوارٍ أسلم مع غربٍ، لن تُقدِّم حكوماته حلاًّ لأزمة الاحتلال الإسرائيلي، ومع عربٍ، لن تُبدي سلطاتهم القامعة أدنى اكتراثٍ بحقٍّ أو واقعٍ أو تاريخٍ.
والسينما ـ إذْ تتجرّد غالبية أفلامها، المُشاركة في الحضور الدولي هذا، من هيمنة الخطاب الإيديولوجيّ ـ تسعى إلى ممارسة فعلٍ ثقافي وإنساني وأخلاقيّ، عبر نتاجاتٍ تعكس شيئاً من حيوية الاجتماع الفلسطيني في شؤون يومياته المختلفة، وتوثِّق بعضاً من وقائع الصلف الإسرائيلي في التعامل مع أبناء البلد، وتقول جوانب من قسوة النظام الأبويّ في علاقاته وسلوكه ومنطق تواصله مع المحيطين به، والخاضعين له.
جوهر التنوّع
أما الحضور الدوليّ فمتنوّعٌ، بتنوّع الأفلام المختارة، ومواضيعها وأشكالها وآليات اشتغالها، كما بتنوّع المحافل الدولية والأمكنة الثقافية، التي تنفتح على سينما تُصارع قدرها، فتغلبه أحياناً كثيرة، بتحقيقها إنجازاتٍ سينمائية، تجد مكاناً لها في العالم، لامتلاكها شرطها الإبداعي، أساساً. والتنوّع أداة اختبار، إذْ يتيح لكثيرين إمكانية العمل، كي يتسنّى للأهمّ والأجمل والأمتن والأعمق أن يكون الصورة المطلوبة، والمتمكّنة من قولٍ سينمائيّ يتفوّق، كثيراً، على ما عداه من أقوالٍ تُساوِم، ومن أفعالٍ تُعلي شأن المصالح الضيّقة، فتُغيِّب الجوهر، الذي تهيم به أفلامٌ فلسطينية عديدة، فتصنع منه بعض روائع السينما العربية.
والجوهر الفلسطيني، الظاهر في أفلامٍ كثيرة، منبثقٌ من الحكاية الأصلية، أي من أحوال ناسها وحالاتهم. فالفرد أساسيّ، ولقصّته الذاتية أولوية البوح والتعبير، وحقّ الاستماع إليها. ذلك أن نتاجاً سينمائياً فلسطينياً، يُصنع منذ مطلع تسعينيات القرن الـ 20 على الأقلّ، يتوصّل إلى الانتصار على مقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، كي يُثبِّت مقولة أخرى، تتعلّق بتلك الحكاية الفردية نفسها، وبهواجس الفرد الفلسطيني وأحلامه ومشاكله وانفعالاته وصوته وحضوره ومخاوفه ومشاغله.
أما تثبيت المقولة الأخرى، فمرتبطٌ بصُوَر سينمائية، تخرج من عمق الحكاية الأصلية، كي تُفكِّك جدران الحصار والصمت والاحتلال، وكي تُعلن انتماءها إلى الإنسان الفرد، بتناقضاته وخطاياه وآلامه وأحلامه وقلقه، كما بمقاومته الاحتلال، ومواجهته تعنّت القواعد العربية التقليدية للعيش، وفضحه التشابه القاتل بين السلطة الأبوية داخل العائلة والبيئة الصغيرة، والسلطة المتحكّمة بشؤون الفرد والجماعة معاً.
لن يكون سهلاً استعادة الأفلام كلّها، المشاركة في هذه المناسبات. فالأهمّ كامنٌ في قدرتها على بلوغ شيء من المُراد لها، كفعلٍ إبداعي يؤرِّخ لحظةً، ويوثِّق حالة، ويروي مقتطفاتٍ من الحكايات المبثوثة في خفايا الحياة ومساربها ومنعطفاتها. والأهم كامنٌ، أيضاً، في أن التنويع المعتمَد في اختيارها يكشف، بفضل التناقض الحاصل في مستويات إنجازها، حيوية حراكٍ سينمائيّ، ينطلق من داخل البلد المحتلّ، وينتشر في أصقاع العالم، ويمتصّ اختبارات صانعيها ووعيهم المعرفيّ والجمالي والإنساني، ويُحمِّل مضامينها خلاصاتٍ شتّى لتجاربهم المُعاشة، هنا وهناك.
وهذا لن يُلغي اتّساع المسافة الجمالية بين بهاء الصورة رغم قسوة مضمونها، في بعض الأفلام، من جهة أولى؛ وبساطة الاشتغال الذي يتناول مواضيع عادية تُعالَج بتبسيطٍ يخلو، أحياناً، من سطوة الجمال والحاجة البصرية إليه، في أفلام أخرى، من جهة ثانية؛ من دون تناسي عفوية السرد ورغبته في قولٍ مباشر، من دون اكتراثٍ كبيرٍ بمتطلبات القول وأدواته ومفرداته ومساراته، من جهة ثالثة؛ وفعالية إدخال المتخيّل السينمائيّ في صلب التوثيق البصري، من جهة رابعة.
الاختبار الدولي خطوة إضافية لبعض السينما الفلسطينية، في كيفية تواصلها مع نفسها أمام العالم، ومع العالم أيضاً. خطوة إضافية للبحث في معنى الصورة وعلاقتها بالواقع، وفي مغزى الاشتغال السينمائي وعلاقته بالحكاية، وفي منحى التجريب السينمائي وعلاقته بتوثيق اللحظة والذاكرة والحكايات، بلغة مفتوحة على كلّ جمالية ممكنة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين