عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 06 حزيران 2026

مقهى الشعراء

مهيب البرغوثي

في مقهى شعبي على باب الحسبة، وعلى الرصيف، كانت الطاولات المعدنية القديمة تحمل آثار آلاف الأيدي التي مرت عليها. كان العم أبو علي يعرف زبائنه أكثر مما يعرف أفراد عائلته. في الخارج كانت السيارات تمر مسرعة، أما في المقهى فكان الزمن أبطأ قليلا، كأنه يجلس ليشرب فنجان قهوة.

دخل الشاعر متعبا من يوم طويل، وجلس قرب النافذة. لم يكن يبحث عن شيء محدد؛ كان فقط يحاول أن يختبئ من ضجيج العالم. طلب قهوته، وأخرج حاسوبه الشخصي.

بعد دقائق دخلت شاعرة تحمل حقيبة صغيرة وكتابا قديما. جلست إلى الطاولة المقابلة. كانت تراقب الناس كما لو أنها تجمع حكاياتهم سرا: البائع المتجول في الخارج، والعجوز الذي يبيع المحارم عند إشارة المرور، والرجل الذي يتحدث وحده، والعاشقان اللذان يتشاجران بصوت خافت... كلهم كانوا مادة خاما لقصائدها القادمة.

انتبه الشاعر إلى الكتاب الذي بين يديها، فسألها:

هل ما زال أحد يقرأ الشعر في هذا الزمن؟

رفعت رأسها مبتسمة وقالت:

وهل ما زال أحد يكتبه؟

ضحكا معا، كأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات. بدأ الحديث صغيرا وعابرا، ثم أخذ يكبر. تحدثا عن الكتب التي أحباها، وعن القصائد التي خذلتهما، وعن المدن التي غادراها وبقيت تسكنهما. تحدثا عن الحب، كمن يتحدث عن حرب قديمة نجا منها بالكاد، وعن الأصدقاء الذين ابتلعتهم الحياة، وعن الأحلام التي كبرت أكثر من أصحابها.

كان المقهى مزدحما، لكنهما شعرا أنهما وحدهما. حتى المذياع القديم بدا وكأنه يخفض صوته احتراما للكلمات.

قال الشاعر:

– أحيانا أشعر أن القصيدة بيت أبنيه كل يوم، ثم أهدمه قبل أن أنام.

أجابت:

وأنا أشعر أنها نافذة. كلما فتحتها رأيت العالم أقل قسوة مما هو عليه.

حل المساء، وبدأت الكراسي تفرغ واحدة تلو الأخرى، لكن الشاعر والشاعرة بقيا يتحدثان، كأن الوقت نسيهما.

وحين حان موعد الرحيل، لم يتبادلا أرقام الهواتف، ولم يلتقطا صورة للذكرى. اكتفيا بمصافحة قصيرة.

خرج الشاعر إلى الشارع وهو يشعر أن القصيدة التي بحث عنها سنوات طويلة لم تكن قصيدة في الحقيقة، بل إنسانا يجلس أمامه ويصغي.

أما الشاعرة فسارت في الاتجاه الآخر، وهي تفكر أن بعض اللقاءات لا تأتي لتغير حياتنا كلها، بل لتعيد ترتيب جملة واحدة داخل القلب

وفي اليوم التالي عاد كل منهما إلى المقهى في الساعة نفسها.

كان النادل يلمع الأكواب، وكانت الطاولات في أماكنها المعتادة، وكانت المدينة تمضي في ضجيجها اليومي كأن شيئا لم يحدث.

جلس الشاعر قرب النافذة.

وجلست الشاعرة إلى طاولة في الجهة الأخرى.

نظر كل منهما إلى الباب مرة أو مرتين، ثم انشغل بفنجان قهوته.

أما المقهى، فظل يحتفظ بما دار بينهما، كما تحتفظ الأماكن ببعض الأسرار التي لا يعرف أحد إن كانت بداية حكاية، أم نهايتها.