الرسم البذيء وقوارير الألوان
عدلي صادق
أوقع الفتى الذي رسم أهلنا في الضفة، في وضعية المضاجعة السلبية مع الاحتلال؛ نفسه ومطبوعته ومسؤوليها وجماعته، في حفرة لن تجرؤ ريشته كهاوٍ، بعدها، على أن تظفر بأية قيمة، في الفضاء الاجتماعي والوطني الفلسطيني النظيف، ولا على الخروج من شرنقتها الرميمية. ذلك رُغم أن المشكلة - في الحقيقة - ليست فيما رَسَم الفتى، بقدر ما هي في الوعي الباطني لأنموذج من منتسبي حماس، ينطوي في أعماقه على شكايات من الوطنيين والثورة والتاريخ الكفاحي الفلسطيني المعاصر. ففي مناخ هؤلاء رَسَم الفتى، ومنهم يتلقى مؤثراته الثقافية، وتراه، في هذا المناخ، يشيح بوجهه عن حمساويين آخرين، ذوي نفوس سويّة ويحبون شعبهم، وكانوا قبضوها صافية، ومضوا في طريق ظنوه مقاومة لا تتثاءب ولا تنتهي إلا باجتياح القدس واسترجاع حقنا في فلسطين، كل فلسطين!
طبيعي أن يكون الفتى، جاهلاً بالتاريخ وجاهلاً في الاجتماع وفي السياسة. لعل هذا هو ما يُخفف الحكم عليه، ويُثقله على من هم وراءه ممن فكوا الخط في بعض التاريخ وبعض الاجتماع والسياسة.
شعرنا بالأسف فعلاً، عندما نشر هؤلاء الموتورون، رسماً يمثل المجتمع الفلسطيني في صورة امرأة يغتصبها العدو، فيما ينم نداء الذَكر الغزي الفحل، لها، عن معنى ضمني مؤداه إنها راضية، وأنه هو الذي يتنافخ شرفاً - حسب تعبير مظفر النواب - طالباً من المضطجعة أن تقوم وتنتفض.
في حيثيات الحكم المخفف على الفتى، سيُقال، إن المسكين لا يعرف، أن المجتمع الفلسطيني في الضفة، هو الذي أنجب ثواراً أبطالاً، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر. ولا يعرف أيضاً، إن الأنثى في هذا المجتمع، هي أم الشهيد والأسير، وأم الثائر، وأم الوطنيين، وأنها حافظة الأهازيج وحافظة الذكرى والأمنيات، وإنها مربية الصغار الذين أرضعتهم قيم الوطنية. وبالطبع هو، في غيبوبته الحزبية الغبية، لم يفطن لكون هذه الأنثى الذي يقدمها كساكتة على اغتصابها، هي القدس وجنين والخليل وقراها، وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم والمخيمات الشامخة، ونابلس جبل النار وقراها الأبية.
ماذا يا هذا الذي رسمت، والذي نشرت، ستقول، حين يرسم الفنان سباعنة مثلاً، حالك وحال جماعتك في صورة انثى مضطجعة وراضية، بل مزهوّة، وأنتم تمنعون المقاومة وتبطشون بمن يجرؤ عليها منفرداً، وتزجون في السجن، بمن يتحفزون لها من "جهاد إسلامي" أو من "سلفية جهادية"؟ في رسم كهذا، لن يتعدى سباعنة، على شرف وكرامة شعبه، وإنما سيتعرض لشرفكم وكرامتكم. وماذا يا فتى، لو أن رساماً من فتح، تقمص آلام شعبنا في غزة، ورَسم جماعتك، كثور هائج وشرِه، يغتصب صغيرة وفقيرة وكارهة له، مستعيذة بالله منه، وكتب على طرف ثوبها غزة؟ ربما عندئذٍ، ستقول إن هؤلاء يشوّهون المقاومة. وماذا يا فتى، لو أن رساماً منّا، رَسَم جماعتك، في هيئة مرابٍ يهودي من القرن السادس عشر، يجبي المكوس من صاحب عربة الكارو التي يجرها حمار، ومن صاحب الميزان الذي يبيع الفجل، ومن العابد الذي يقصد المسجد لكي يتهدج، ويفرض الضرائب الثقيلة على كل شيء، ويبيع أولويات السفر والصعود الى الحافلة. ففي الرسم سيظهر شيخ تقي، يقول للجابي ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، عندما التفت فلاحظ شخصاً يسخر من المرأة الغامدية التي زنت وهي تُرجم: والله لقد تابت توبةً، لو تابها صاحب مكس (أي ضريبة) لغفر الله له!
ليعلم أولئك الذين اعماهم حقدهم وأبعدهم مسافة شاسعة عن جادة الصواب، أن غزة أحست بالجرح، وهي تتبرأ من كل قول وعمل ورسم مارق، وأن حماس في الضفة، أحست بالحَرَج مع الجُرح، وهي ترى أهلها يُرسمون بهذه الصورة الشائنة. فليستغفر الفتى ربه، وليكن من هم في شرنقته، على يقين، أن الأحقاد لا تصنع مجداً، ولا تشرعن ولا تُديم دوراً ولا سلطة، وهي - بالطبع - لا تنتج مقاومة ولا تحقق نصراً. فادلق يا فتى قوارير ألوانك وصلِّ ركعتي التوبة!
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية