أفكار جديدة لزمن متغير
يحيى رباح
هذه تحية للذكرى الثالثة والستين للثورة المصرية، ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952, أم الثورات العربية المعاصرة التي انطلقت في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، والتي قال قائدها جمال عبد الناصر إن أسئلتها الأولى ولدت في خنادق حرب فلسطين عام 1948, في حصار الكتيبة التي كان هو رئيس أركانها في الفالوجة، وتجمعت معطياتها في المفارقات اليومية الحادة في حياة الشعب المصري حين كان نظام الإقطاع الضيق والمتعفن يخنق طموح الحياة عند الأجيال الجديدة، وحين كان الإسلام السياسي قد اشتد عوده, مشيرا الى انه لن يكون سوى الخنجر المسموم المغروس في ظهر الأمة وآمالها الكبيرة.
انطلقت ثورة جمال عبد الناصر، ففتح الباب على مصراعيه لثورات أخرى في الجزائر وتونس والعراق واليمن شماله وجنوبه وفي سوريا وفي بقية الأرجاء، انطلقت كلها تحت عنوان البحث عن دور جديد، وعن جدوى للمسارات الاجتماعية والاقتصادية، وانبعاثات حضارية لكي يثبت أننا أمة تستحق الحياة.
اليوم، نحن نعيش في اللحظة الخارقة، حولنا العالم يتغير بسرعة مجنونة وبمساحة شاملة، والنظام الدولي القائم يهتز بقوة على وقع التطلعات الكبيرة وبفعل النكسات الكبيرة التي تسبب فيها هذا النظام الدولي باختلالاته العميقة، ويكفي أن ننظر الى حجم المشاكل التي تضرب نظامنا الاقليمي العربي والتهديدات التي تتراكم حول أوروبا وفي داخلها، والأسئلة العاصفة التي تنطلق من كيانات كبيرة في هذا العالم دون ان تلقى اجابات مقنعة، فأين دورنا، وما هي مساهماتنا؟ وكيف تتغير في سياقات جديدة ؟ وما هي العوائد التي عادت علينا حين سلمنا أمرنا لغيرنا بالمطلق فإذا به يستهين الى حد الفاجعة بأقدارنا وحياتنا!
وفي حالتنا الفلسطينية، فإننا على امتداد سنوات الانقسام الذي قبلت حماس ان تكون اداته المطلقة، الى أين وصلنا، كل ما يدور حولنا، وكل ما يجري لنا لا نستطيع ان نقول فيه قولا فاصلا بسبب هذا الفشل الكبير والشلل الكامل الذي احدثته حماس في صميم حياتنا جراء هذا الانقسام، فهي الآن لا تريد حكومة وحدة وطنية ولا حكومة توافق وطني، لا تريد الانذماج في الشرعية ولا تريد تحديد هذه الشرعية بواسطة الانتخابات! لا تريد سوى شيء واحد وهو أن يبقى الانقسام لعلها تبيعه أو تقايض عليه كما يصور لها خيالها المضطرب!
والنتيجة لكل ذلك، ان مبادراتنا الفلسطينية تضيق، والفرص من حولنا تسقط في الفراغ، وما قلناه بالأمس يتكرر اليوم، لأن حماس لا تريد أن تتخلى عن خنجر الانقسام الذي طعنت به الظهر الفلسطيني.
يجب أن نفجر اللحظة الراهنة الخانقة، يجب الخروج مهما كلف الأمر من حالة الشلل وانكفاء الذات، يجب أن نفكر بصوت مرتفع خارج الصندوق المعتاد، فليس معقولا أن يظل فصيل مهما كان اسمه أو انتماؤه أو ارتباطاته يخطف قضيتنا ويصادر قرارنا ويحكم علينا بالشلل.