عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 تموز 2015

بؤس الجامعات العربية

عدلي صادق

تصدر سنوياً عن مراكز تقييم جودة التعليم العالي في العالم، قائمة بأسماء الجامعات الأفضل على مستوى المعمورة. وفي الحقيقة يختلف الترتيب بين مركز وآخر، على الرغم من اعتماد جميع المراكز في تقييمها، على عناصر القياس الستة الموضوعية نفسها (وصول متعلمين في الجامعة الى سوية الترشح لجائزة نوبل، الأداء الأكاديمي، النجاح اللافت عالمياً لخريجي الجامعات على صعيد الاقتصاد والاجتماع، عدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية الدولية وبخاصة "نيتشر" و"ساينس"، نسبة الإشارة الى هذه الأبحاث وجامعاتها في المجلات العلمية والإعلام، ونسبة الإشارة الى الباحثين خلال السنوات الخمس الأخيرة). ويصح أن نعتبر مركز "ويبومتريكس" الإسباني، الذي يُقيّم 1200 جامعة في العالم، الأدق والأفضل، على الرغم من أن الصحافة التي تفتش عن المصادر التي تعطيها خبراً مثيراً، تنشر نتائج تقييم مراكز أقل دقة، مثلما فعلت "الحياة" اللندنية أمس، عندما أفادت أن العرب حلوا في مرتبة متأخرة جداً عالمياً وجاءت الأولى عربياً في الترتيب الــ 569 (جامعة الملك سعود) واستندت الصحيفة الى نتائج مركز التصنيف الجامعي الموصول بجامعة شنغهاي الصينية، ذلك علماً أن "ويبومتريكس" وضعت جامعة الملك سعود في الترتيب 244 تتبعها عربياً، مع فجوة كبيرة، جامعة القاهرة، في الترتيب 474. لكن "ويبومتريكس" نفسها، قفزت بنا، بعد الترتيب الثاني عربياً، الى جامعة الملك عبد العزيز، وهي الثالثة عربياً في المركز الـ 780 عالمياً. وفي هذا السياق، يكون الصادم أكثر، وذا المفارقات، أن الجامعتين الاميركيتين في العالم العربي (الأميركية في القاهرة والاميركية في بيروت) بدتا تجاهدان لكي لا تخرجان من دوري الدرجة الممتازة، أي قائمة الــ 1200. الأولى حلّت في المركز الــ 1050 والثانية 989. معنى ذلك أن خيبة أمل كبرى، أصابت ميسوري الحال العرب، الذين فاخروا وتنافخوا عندما أرسلوا أبناءهم وبناتهم الى هاتين الجامعتين بأكلاف باهظة. ومعنى ذلك أيضاً، أن الاميركيين يبيعوننا بضاعة رديئة، أو يعطوننا على قدر عقلنا، مثلما يبيعوننا الطائرات الناقصة إلكترونياً وفي التسليح!

هناك مراكز تصنيف أخرى، يغيب العرب عن قوائمها، لأنها تعد قوائم للــ 100 جامعة الأفضل في العالم، وبعضها مراكز تابعة لمجلات وصحف مثل مجلة "تايم" الاميركية و"ساندي تايمز" البريطانية. ومن الطريف أن العرب، المسكونين بهاجس المقارنات بينهم وبين أنفسهم؛ يطالعون قوائم الألف وأكثر، فيستخرجون منها قائمتهم العربية وفيها ترتيب من الأول الى 50 وينشرونها في صحافتهم. هم لا ينشرون قائمة بــأسماء 100 جامعة عربية، لسبب بسيط، وهو أن قوائم الألف وأكثر ليس فيها خمسون جامعة عربية!

في هذا السياق، ومرة أخرى، ينبغي القول إن المشكلة هي مشكلة فقر الاستثمار في التعليم وفي الأبحاث. فلو أعطي للتعليم العالي، جُزء يسير، من كلفة سلاح الاحتراب، بل من كلفة أنواع السلاح الذي سيتحول عاجلاً الى مقابر الحديد، يستفيد منها تجار الخردة، أو جزءٌ من أكلاف عطور النساء وزينتها؛ لكان وضع التعليم العالي في بلادنا أفضل بكثير. ولأن الرزية تُنتج الرزية، فإن مستوى التعليم العالي في أوطاننا العربية يتردى، وتشهد عليه مستويات الكادر الأكاديمي الذي انتجته الوضعية البائسة للتعليم الجامعي في العالم العربي. ولكثرة المفارقات على هذا الصعيد، نكتفي بالإشارة الى أن معهداً واحداً، تقوم عليه مؤسسة قومية، يقول إنه للبحوث والدراسات؛ يضخ الى فضائنا الاجتماعي سنوياً المئات من حاملي درجات الماجستير والدكتوراة، دونما إنصاف حتى لمادة الإملاء التي كانت عالية الشأن، في مدارسنا الابتدائية القديمة!