عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 تموز 2015

الشجار في شهر الصيام

عدلي صادق

اعتاد المصدومون من ازدياد وقائع الثأر وشجار العائلات والانتحار شنقاً، على التعليق بشكل تلقائي، بما معناه أن ليس في الحياة ما يستدعي كل هذا الشطط والعنف الداخلي. ويكون الكلام في صيغة استفهام إنكاري: ما الذي جرى للناس؟

كتب زميلنا حافظ البرغوثي، عن ضغوط الصوم في شهر رمضان، الذي شهد الكثير من هذه الوقائع. وثمة رأي طبي يقول إن الصائم، تنقطع عنه كمية السكر الذي في الدم، أثناء النهار، ما يؤثر على المراكز العصبية في الدماغ، فتزداد سرعة الغضب، لا سيما إن كان الجسم، معتاداً على بعض المنبهات كالتدخين. فعندما ينقطع الصائم عنها فجأة، تعتريه اضطرابات عصبية، ناجمة عن إلحاح جسمه في طلبها. لكن الأمر عندنا بدا استطراداً لما كان في شعبان قبل رمضان، ولما سيكون في شوال. تماماً مثلما يقول الرأي الطبي، إن العصائر المصنّعة والمشاريب الغازية، التي يتناولها ليلاً صائم النهار، تحتوي على كميات كبيرة من الكافيين، التي تفعل فعلها عند الامتناع التام، عن الشراب والطعام. ذلك بمعنى أن الكامن في أجواف بعضنا، هو الذي يفجر الغضب الزائد، ويدفع الى الصدام والى العمل العنفي. ولا حاجة هنا، للقول إن وقائع الشجار، تذهب بأصحابها الى وجهة بغيضة، في الاتجاه المعاكس لما أراد الله أن يذهب بنا اليه، من سكينة وتأمل وتعبّد وصفاء نفسي وروحي.

قالت الشرطة الفلسطينية، إن شجارات شهر رمضان في الضفة، بلغت تسعة آلاف وأربعة وسبعين شجاراً، وهذه ربما لا تحدث في دولة شاسعة وكثيرة الملايين، في شهر واحد. وإذا ما أضيفت لهذا العدد شجارات غزة، نكون بصدد قوة شجار عظمى. ويصح القول إن الضغوط العامة على المجتمع الفلسطيني لا بد أن تكون معطوفة على أسباب التوتر، ولعلها أوقع تأثيراً من الضغوك الكيميائية داخل الجسم، ومن وقف التدخين أثناء النهار، وإلا ما كانت معالجات الليل، أسوأ من شجارات النهار.

ولئن كان الاحتلال في بلادنا، هو أب الذمائم وأُس البلاء؛ سنكون بصدد عامل نفسي خطير، يعتري البعض الذي يتشاجر بشكل جماعي. أما الشجار الفردي، الذي ينفض بسرعة، وهو في أوقات العصر، فإنه ظاهرة لافتة لدى الشعوب كثيفة التدخين، وفي الأوطان ذات الحركة المرورية العشوائية، والأسواق المنفلتة وزحامها. غير أن الشجار الجماعي عندنا، وأحياناً يظهر فيه السلاح وتُطلق النار، هو انعكاس لحال نفسية تسمى "الإزاحة" إذ ينفجر المحبط والمكبوت والراغب في إظهار العنفوان، في وجه محيطه، أي في اتجاه آخر، لأن انفجاره في وجه المحتل، ربما ينجم عنه موت محقق. وهذا يحدث بالمعنى الموجز: "نتشاطر ونستقوي على بعضنا". ولعل هذا الاستقواء، يكون ناجماً عن التركيبة الاجتماعية، للتجمعات السكانية المنطوية على كُتل عائلات، ومنظومات قيمية، بعضها حميد، والبعض الآخر ذميم، كالإلحاح في طلب الثأر وأخذ القانون باليد، والضغوط على المرأة باعتبار أن أتفه وأقل التصرفات والهمسات؛ تستوجب الشدة معها، والإحساس بالحرج العائلي دون أن يُخدش شرف.

كان الأصل، أن يحلو السمر وتطفو الحكمة والتقوى في شهر رمضان، لا أن يضيق الناس ذرعاً بأوقاته وبأنفسهم، وأن يتجنبوا حفلات الزفاف، ويباعد الصائم بينه وبين المرأة، في شهر الخير والرحمة والحب. فالرسول صلى الله عليه وسلم، كان يُقبّل زوجاته وهو صائم على نحو ما قالت عائشة، مع تذكير للمسلمين لكي لا يستغربوا: وكان أملككم لربه!