عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 02 تشرين الأول 2016

"‎تداعيات النكبة في الرواية الفلسطينية".. حكايات التهجير واللجوء يرويها يخلف وطه

عمان- الحياة الجديدة- مهيب البرغوثي - استضافت ‏قاعة الندوات في معرض عمّان الدولي للكتاب، مساء أمس، وضمن فعاليات دولة فلسطين ضيف شرف ‏المعرض، ندوة بعنوان "تداعيات النكبة في الرواية الفلسطينية"، بمشاركة الروائي والكاتب يحيى يخلف، ‏والقاص والكاتب محمد علي طه، وأدارها د. خالد الحروب‎. ‎

وانطلقت الندوة بتساؤل أطلقه الحروب حول ‏مغزى ومعنى وتداعيات عنوان الندوة، وما إذا كان المقصود في الرواية الفلسطينية هو العمل الإبداعي أي ‏الرواية الفلسطينية السردية حول النكبة وتداعياتها، أم الرواية بمفهومها الواسع، في نقاش نابع في ‏غالبيته من التجربة الذاتية لكل من يخلف وطه‎.

وبدأ محمد علي طه مداخلته بالحديث عن حكاية والدته ‏التي توفيت قبل ثلاثة أعوام عن عمر يناهز خمسة وتسعين عاماً، وكيف طلبت منه قبل رحيلها بثلاثة ‏أشهر اصطحابها إلى بيتها، وكانت تعني بيتها الذي هجرت منه في "ميعار" العام 1948، والتي تحولت إلى ‏‏"مستوطنة صهيونية تدعى "ياعد"، لتجد البيت المنشود كومة من الحجارة والأشواك، فتأملت المشهد، ‏ومن ثم طلبت العودة إلى سريرها في البيت الذي تسكنه وإياه وعائلته منذ أربعين عاماً بالإيجار، لافتاً ‏إلى أن حكاياته ووالدته تعبر عن واقع الفلسطينيين "الباقين في وطنهم"، وهو الواقع الذي يعيشه حوالي ‏نصف مليون فلسطيني هم لاجئون في وطنهم ممن لم يهاجروا كغيرهم سنة النكبة، التي اعتبرها سنة ‏ميلاد كتاباته، حين كان في السابعة من عمره، حيث وصل برفقة أسرته إلى الحدود اللبنانية قبل أن يقرر ‏والده العودة‎. ‎

وتابع طه الحكاية بسؤاله لوالده في وقت لاحق عن سبب قراره بالعودة دون أقاربه، فأجاب ‏الأب بأنه تذكر أن أكثر من عشرين لبنانياً كانوا يعملون في ميعار قبل النكبة، وأنه لو كان في لبنان مصدر ‏رزق بديل لما جاءوا للعمل في بلدتهم الصغيرة بفلسطين المحتلة العام 1948، ليسكنوا هضبة في ‏سخنين أسفل شجرة، من تموز حتى تشرين الثاني، دون أدنى مقومات المعيشة الإنسانية، لافتاً إلى أن ‏شقيقته توفيت تحت الشجرة، وبما أنه لا توجد مقبرة في المكان، حملها الأب ودفنها في سخنين، مستطردا: ‏‏"حتى اليوم لا نعرف أين دفنت شقيقتي".

‎وأشار طه: لذلك كل ما أكتبه متأثر بالنكبة، فلا أستطيع أن ‏أكتب قصة، وكتبت حتى الآن خمس عشرة مجموعة قصصية، وروايتين، وأربع مسرحيات، وستة كتب ‏عبارة عن مقالات، وعشرين كتاباً للأطفال، دون أن أخرج من أجواء النكبة، حتى في اللاوعي. مستعرضاً ‏فصولاً من طفولته وصباه وشبابه وغيرها ما بين النكبة وميعار والكتابة‎.

‎بدوره وصف الروائي يحيى يخلف ‏النكبة بالزلزال والتسونامي الذي حول الفلسطينيين من الحياة المدنية المتطورة، والريفية المنتجة إلى ‏طوابير من اللاجئين، قبل أن يقدم شهادته الخاصة حول النكبة، متحدثاً في البداية عن مشهد إطباق ‏الحصار من قبل قوات العصابات الصهيونية على بلدته المهجرة "سمخ" الواقعة على الشاطئ الجنوبي ‏لبحيرة طبريا‎. ‎

واستذكر يخلف: كان الرجال الذين يحملون بنادق عتيقة يرابطون عند مبنى سكة الحديد ‏التي بناها العثمانيون، بعد أن قرروا إخلاء النساء والأطفال من البلدة إلى مكان آمن وكانت قرية "الحمّة" ‏ذات الينابيع الساخنة عند الحدود الأردنية السورية، وتبعد حوالي عشرة أميال عن سمخ .. نقلوهم مؤقتاً ‏بانتظار الجيوش العربية، وبالتالي فك الحصار، ومن ثم عودة المهجرين‎. ‎

وتابع يخلف: رحلت نساء العائلة ‏وأطفالها في عربة يجرها حصان.. تكوّمنا في العربة وسط البكاء والعويل، وكنت أتشبث في ثوب أمي، ‏وهي تحضنني لتمنحني بعض الدفء في ذلك اليوم الشتائي البارد، وكانت أمي ترتجف لا أعرف خوفاً أم ‏برداً .. عندما كان الحصان يجر العربة المكتظة بصعوبة كنت أتشبث أكثر بثياب أمي، وأنظر في وجهها ‏وكأنني أتساءل عما يسح من عينها، وما إذا كانت دموع أم قطرات مطر.. وبقي هذا المشهد عالقاً في ‏ذاكرتي إلى اليوم، ويرافقني وخاصة في سنوات الشتات والرحيل من منفى إلى منفى، وما يحمله من ‏حكايات ستبقى ماثلة في الوعي واللاوعي.. رحلة الشتات في عربة يجرها حصان عجوز رافقنا إلى ‏رحلة اللجوء إلى مدينة إربد في الأردن، ومات لاجئاً ذات شتاء يشبه الشتاء الذي اختلطت فيه قطرات ‏المطر بدموع أمي‎. ‎

واستعرض يخلف حكايات أخرى تتعلق باللجوء تلو الآخر، وانعاكاسات النكبات المتتالية ‏على أعماله الروائية وغيرها، مشدداً على أن ما تعمله في مدرسة العائلة يفوق بكثير ما تعلمه في ‏مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، ومنها تشكلت رحلته مع الكتابة الإبداعية عبر أعماله المتعددة ‏بداية بـ "تلك المرأة الوردة"، ومن ثم رواية "تفاح المجانين"، لافتاً إلى أنه وأبناء جيله مارسوا المقاومة ‏الثقافية في ستينيات القرن الماضي، وأن هذا النوع من المقاومة سبق الكفاح المسلح‎. ‎

واختتمت الندوة ‏بملاحظات عدة للدكتور خالد الحروب من بينها انتقال رواية النكبة في السرد الفلسطيني من مرحلة ‏البكائيات والتفجع والحسرة إلى مراحل أخرى كالعمل الفدائي والثورة، ومن ثم المأسسة الرسمية باتجاه ‏الدولة، قائلاً: ما زلنا في نصف الطريق أو في مكان ما قبل أو بعد المنتصف، لافتاً إلى أهمية الانتباه إلى ‏كيفية تحويل النكبة إلى مشروع سياسي فعّال، ربما أحد مكوناته رفض ما أنتجته هذه النكبة من واقع ‏مأساوي يتواصل‎.‎