عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 04 نيسان 2026

ستنتهي الحرب.. أما الحرية فستنتظر طويلا

مهيب البرغوثي

المحطة ما زالت تنتظر القادمين. القطارات تصل وتغادر بانتظام بارد، كأن العالم يسير على طريق لا يعرف التعب. الحرب تفعل الشيء نفسه تقريبا؛ تنتهي في مكان لتبدأ في مكان آخر. تتغير أسماء المدن والضحايا فقط، لكن يبقى الشعور نفسه دائما: الخوف، والغياب، والانتظار.

لكن السؤال الذي يبقى عالقا: هل سنبقى في المحطة؟ هل سنبقى نودع المغادرين أكثر من فرحتنا بعودة القادمين؟

في زمن الحرب، تصبح المحطات أماكن للمغادرة أكثر مما هي أماكن للانتظار. الناس يحملون حقائب، لكن ما يحملونه في الداخل أثقل بكثير: ذاكرة المدن التي لن تعود كما كانت، والأصدقاء الذين ينتظرون هناك في أماكن أخرى بشوق، والكتب التي تركت مفتوحة على طاولات تنتظر أن يعود أحد إليها.

الحرب لا تدمر البيوت فقط؛ إنها تغير طريقة الناس في النظر إلى العالم. فجأة، تصبح الثقافة شيئا ثانويا في نظر الكثيرين، كأن القراءة ترف، وكأن الشعر خطأ صغير. لكن الحقيقة أن الثقافة هي الشيء الوحيد الذي يحاول أن يقاوم هذا الخراب. الكتاب لا يوقف الطائرة، لكنه يذكر الإنسان بأنه ليس مجرد ناج، بل كائن قادر على التفكير، وعلى السؤال، وعلى رفض الخوف.

أما الحرية، فهي أكثر الأشياء هشاشة في مثل هذه الأزمنة. الجميع يتحدث عنها، لكنها غالبا ما تعود إلى الخلف قليلا بحجة الضرورة أو الأمن أو النجاة. وهكذا تبدأ الحرية في التراجع بصمت، خطوة بعد خطوة، حتى يجد الإنسان نفسه يعيش في عالم أقل اتساعا مما كان يطمح إليه.

ومع ذلك، هناك دائما شيء، مهما كان صغيرا، ما زال يقاوم: فكرة تموت بصوت منخفض، كتاب ينتقل من يد إلى يد، أو حوار طويل بين شخصين يحاولان فهم ما يحدث حولهما. الثقافة، في جوهرها، ليست مؤسسات أو مهرجانات فقط؛ إنها الإصرار البسيط على التفكير، وعلى طرح الأسئلة، وعلى رفض أن تتحول الحياة إلى مجرد انتظار طويل في محطة الحرب.

ستنتهي الحرب، وقد تنتقل إلى مكان آخر كما يحدث دائما. لكن المسألة الأهم ليست نهاية الحرب فقط، بل: هل سنستعيد قدرتنا على العيش خارج التفكير بها والخوف من أسئلتها؟ أن نكتب، ونقرأ، ونتكلم بحرية، وأن نغادر تلك المحطة التي علمتنا الانتظار أكثر مما علمتنا الحرب.