فرسان المواجهة أم فئران السفينة
يحيى رباح
لا يوجد اثنان في الشعب الفلسطيني يختلفان على ان أوضاعنا السياسية بالغة الصعوبة والتعقيد، خاصة ان وضع المنطقة التي نحن جزء عضوي منها وهي المنطقة العربية على وجه التحديد هو وضع مؤجل لا تحسم فيه اي قضية، لان الموقف الدولي المضطرب, والعلاقات الدولية غير متوازنة، وبالتالي ليس هناك اتفاق على شيء نهائي حتى هذه اللحظة، وسير الأحداث في المنطقة سيظل قلقا الى اشعار آخر.
نحن جزء من ذلك كله، لا نستطيع ان ندعي الحصانة، ولكننا لا نستطيع ان ننفض ايدينا لأن مشروعنا برمته ومكاسب خمسين سنة واكثر على الصعيد الفلسطيني مهددة، والرد على ذلك لا يكون بهذا الإحباط وانعدام الفاعلية الذي نراه في جميع مؤسساتنا الفلسطينية دون استثناء، في منظمة التحرير واطاراتها وفي الفصائل جميعها، ولا يكون بمحاولات التنصل من المسؤولية بدرجات مزرية في بعض الأحيان حتى أن البعض يظنون انهم حين ينتقدون غيرهم أو انفسهم فانهم اصبحوا لا يتحملون ادنى مسؤولية !!! فهناك من يقول اخطأت ثم يتصرف على اساس انه بريء من اي ذنب، وهناك من يطرح الإنقلاب الشامل على الذات، وهناك من يقدم نفسه على انه الاكثر كفاءة للخيانة! وكل هذه وصفات بائسة ولا تجدي نفعا فالمرحلة هي بالضرورة مرحلة مواجهة, وليس مرحلة الفئران التي تقفز من السفينة عند غرقها, اي الهروب من الهرب المحتمل الى الغرق المؤكد.
ما نزال على هذه الأرض وسوف نبقى، والمطلوب هو المواجهة, ولدينا برنامج المواجهة واضح جدا بسبب الخيارات المتهورة والمعلنة للاحتلال الإسرائيلي الذي يعبر عن فشله وضيق افقه السياسي وتدهور مستوى القيادة التاريخية لديه، ويعتقد ان اطماعه مسلمات لا بديل عنها، ان فلسطين بحضورها وشعبها وعدالتها وامتدادها ليست في نظره سوى لقمة خبز للجوعى, وليست سوى طابور عمال للعاطلين عن العمل أو ليست سوى منصة بحرية يراقبها من فوق الماء وتحت الماء، او مجرد تنشيط لمكاتب الإدارة المدنية الإسرائيلية ومضاعفة صلاحيات الجنرال مردخاي، هذا الاحتلال يكذب على نفسه وتخدعه تقاريره، ويخضع لقطعان المستوطنين وينسى انه قبل الانتفاضة الأولى كان مئات من العمال الفلسطينيين يعملون في إسرائيل فلماذا اندلعت الانتفاضة الأولى وهبة القدس والانتفاضة الثانية؟ وكان الآلاف من ابناء قطاع غزة يتجولون في كل مناطق اسرائيل فلماذا اجمع الإسرائيليون على الانسحاب الاحادي من قطاع غزة؟
مجمل القول انه لا يجب ان يبهرنا هذا الانسياق الغبي من الاحتلال لقراءاته عن الواقع، فهي قراءات مخادعة, بل هذا يضاعف من حجم مسؤوليتنا في مواجهة الاحتلال, بل الأرجح ان هذا التطرف الإسرائيلي يجب أن يكون منفذنا الأول نحو افق جديد، ليس بالانقلاب على الذات وليس بتحريم طرح الموضوعات الملحة، وليس من خلال اعجاب كل طرف فلسطيني بوهمه الذي يسيطر عليه، بل من خلال تجديد شرعياتنا، وادارة حياتنا بالمشاركة الفاعلة والجادة.