خالتي روشيل
أحمد دحبور
لا تصححوا كتابة الاسم، فقد كنا – في مخيم حمص للاجئين الفلسطينيين – نلفظه هكذا: روشيل بالواو لا بالالف، وكنا نحيط هذا الاسم، منذ طفولتنا بلقب "خالتي" كانت فارعة الطول، بيضاء البشرة، وبقدر ما يذكرها خيال الطفل الذي كنته، كانت بهية الطلعة، يقال انها كانت من يهود طبريا، لكنها احبت العم ابا ابراهيم واقترنت به على سنة الله ورسوله، فأنجبا معا ثلاثة ذكور وثلاث فتيات، ولما وقعت النكبة، كانت حصتهم من الهجرة ان يكونوا في مخيم حمص، حيث كانت تشتهر "خالتي ام ابراهيم روشيل" بمهارتها في تجبير الايدي المكسورة او الملتوية، وكنا من وطأة الالم، نشتمها ونناديها باليهودية، فكانت تبتسم وتشدنا من آذاننا داعية لنا بالشفاء ولما انجبت ابنها الاصغر في المنفى، زارتها بعض نساء المخيم لتقول احداهن بخبث: ما اجمله.. انه يشبه اخواله!! فتزجرها ام ابراهيم بحسم قائلة: ليس له اخوال.. انه لاجئ فلسطين من طبريا في مخيم حمص: "وكانت خالتي ام ابراهيم تحتفظ، شأن اهل المخيم، بمشاعر ناصرية واضحة، حتى انني عندما كنت بعثيا، في فجر شبابي، القيت قصيدة في المخيم تؤكد التزامي، فاقتربت مني خالتي ام ابراهيم بكل شجاعة وبصقت في وجهي!! والآن اشهد بعد تلك السنوات ان حركتها الشجاعة قد نزلت على قلبي بردا وسلاما، واتيتها بعد بضعة أيام، فوقفت في وجهي متحفزة، كأنها تتوقع مني حركة حمقاء، فأمسكت براحتها ولثمتها واضعا اياها على جبهتي، وكان ذلك آخر عهدي بالتجربة الحزبية البريئة.. والى ذلك لم تكن خالتي ام ابراهيم تفتقد الى سلاطة اللسان عند اللزوم، فقد جاءتنا، ذات يوم، بدوية من الجوار، وسألت بشيء من السذاجة: هل صحيح ان عندكم في مخيمكم هذا ماخورا؟؟ وانكسرت النساء اللاجئات لائذات بالصمت، لتصدم ام ابراهيم تلك البدوية بجواب فوري لاذع: طبعا لدينا ماخور، ولكنه لرجالنا من اجل نسائكن – وشاع جواب ام ابراهيم في المخيم حتى اصبح مضربا للمثل في سرعة البديهة وقوة الرد السليط..
واذكر لهذه المناسبة، ان عجوزا من المخيم قالت ذات يوم: لا تصدقوا هذه اليهودية فهي حين تموت سينكشف سرها، ولكنها – حين وافاها الاجل – فاجأت اهل المخيم بما تركت وراءها، فقد كانت تقرأ القرآن الكريم الذي كان مفتوحا الى جوارها على سورة العنكبوت.. وقد شهدت حمص يومها جنازة مهيبة تغص بالمشيعين الفلسطينيين الذين كانوا يودعون "خالتي روشيل" رحمها الله.. ان الدرس الذي قدمته حياة جارتنا الفاضلة هذه، هو الا نصيب قوما بجهالة فنندم.. ولم تكن بدورها لتنتظر الموت حتى نقف على حقيقتها وصدقها، فقد كانت راضية بما كانت عليه وكنا راضين مقتنعين بجوارها وحسن مسلكها، ولابناء مخيمها ان يفخروا بهذه السيدة الصادقة مع نفسها وربها، وان ظل الالم يعتصرها لانها ماتت بعيدة عن طبريا، واذا كان بعض ابنائها سينزعجون من اثارة موضوعها لان فيه تذكيرا بما كانت عليه قبل اسلامها، فان لهم ان يفخروا بها، ويتحسروا على عمرها الذي انقضى قبل ان ترى طبريا من جديد.
واليوم.. بعد هذه السنوات من ذكراها، استحضر وجهها البهي وانا اتأمل صورة عبد الناصر في صدر بيتهم وكأنه احد افراد الاسرة.. وكان ذلك مشهدا طبيعيا في بيت فلسطيني ظل ابناؤه – حتى كتابة هذه السطور – يحلمون بالعودة الى طبريا، وقد يصعب ان اذكر في حضرة هذه المناسبة الجليلة لحظة طريفة، بل جملة صدرت عن خالتي ام ابراهيم وهي تستغفر الله قائلة: هل كان الله يهوديا حتى يأخذ هذا الرجل ونحن في اكبر الحاجة إليه؟ وقد كنت قريبا منها يوم رأت صورة السادات في نشرة الأخبار، فعلقت قائلة: يا بادل النخلة بسخلة ويا بادل الكردوش برغيف!!
قد يثار سؤال حول قدرتي على استذكار هذه الاشياء، والواقع انها كانت جارتنا في المخيم، وكانت تنتصر لابي الذي كان يحرجنا ونحن اطفال انه يغسل الميتين، اما هي فكانت تشد ازري وتقول: ان ثوابه عند الله كبير، وان منكم الا واردها..
ما الذي ايقظ خالتي ام ابراهيم في ذاكرتي صباح اليوم؟ لعلي علمت – متأخرا جدا – بوفاة صديقي اليهودي التونسي المرحوم سيرج عدّة، فقد كان انموذجا للمثقف المخلص، ولا ازال اذكر ما قاله لي ذات يوم: لقد نشأت خارج الثقافة اليهودية متأثرا بوالدي جورج عدة، فقد كان مثقفا يساريا يرى ان هويتنا العربية هي اختيار وليس تزلفا الى الجوار.. لقد تعلمت من ابي اني ان لم اكن مسلما مثل جيراني فأنا ابن هذه البلاد المرتبط مصيرها بتحرير فلسطين ارتباطا كالزواج الكاثوليكي.
وكان يشارك سيرج في هذا الاعتقاد، صديق آخر هو من اسرة يهودية تونسية ايضا، واسمه جيلبرت نقاش، وكان اصدقاء سيرج وجيلبرت جميعا من المسلمين، ولم يشكل ذلك اي حرج لأي منهما، ولم يتاجرا بهذا الاختيار فقد كان صادرا عن موقف وجودي بعيد عن المزايدات والمناقصات، وكان سيرج يحب جملة كنت أرددها لغير مناسبة: نحن عرب لا لأننا نرغب أو لا نرغب في ذلك، بل لأننا كذلك..
ويوم قصف الصهاينة منطقة حمام الشط في تونس وتدفق الجمهور التونسي، الشهم حقا والمعطاء حقا، للتبرع بالدم، كان سيرج من جملة المبرعين، حتى اذا أبديت له دهشتي، قال مازحا: هل تخشى ان يعكر الدم اليهودي دمكم الفلسطيني؟ فاعتبرني فلسطينيا في هذه الحال!
رحم الله خالتي روشيل، فقد كانت ذكراها مناسبة لاستذكار سيرج وجيلبرت اللذين نجحا في اقناعي بأنهما من اخلص الاصدقاء.. ولأني في حضرة ذكرى خالتي روشيل هذه فلأذكر بكل شجن وغبطة اننا تجاورنا وتمالحنا، وتناقرنا وتمازحنا، لكن في اطار من الاحترام ومراعاة الجوار، لا سيما حين كانت تشد من ازرنا، اعني نحن الاولاد الذين كان يحرجنا ان أبانا يغسل الميتين، فكانت تقول: انه يفعل ذلك لانه شجاع، وهو قبل كل شيء مسحر المخيم الذي يوقظ الناس متحملا لفح الهواء ولسعة البرد، متغلبا على ذلك بصوته الجميل.. وأجره عند الله عظيم.. أجل هكذا كان منطق خالتي ام ابراهيم..
سأعتب على ابراهيم واخوته واخواته في حال واحدة، اذا اعتبروا ان استحضاري لذكرى خالتي ام ابراهيم روشيل فيه نوع من التشهير بماضيها.. فحاشا لله ان افكر في هذا، بل انني لأتباهى على زملائي بأني كنت من ابناء جيران هذه السيدة الفاضلة التي كانت من احسن الناس خلقا ومعاملة وشعورا فلسطينيا اصيلاً..
ولكن حتى اتحقق مما أقول، يجب علي ان ارسل بنسخة من هذه الخاطرة – بعد نشرها – الى ابناء خالتي ام ابراهيم، عسى ان يثقوا – وهم واثقون ان شاء الله – بصدق ما اقول وبالذكرى الطيبة التي احتفظ بها لذلك الجوار الكريم.. ورحمة الله عليك يا أم ابراهيم..