راسم حلاوة.. زندا
عيسى عبد الحفيظ
قد يبدو للقارئ ان الاسم عادي في اوله غريب في آخره ولكن العلاقة بين الشهيد راسم حلاوة وبين «الزندا» علاقة وثيقة ارتبطت بالحياة والموت. فـ «زندا» هي عملية همجية وحشية لفك الاضراب عن الطعام الذي كان وما زال المعتقلون يلجأون اليه كلما وصلوا الى طريق مسدود مع ادارة السجان. وهي تتلخص في ادخال انبوب مطاطي عنوة عبر الانف الي معدة المضرب عن الطعام، طبعا بعد تقييده وشد رأسه بمرابط متينة حتى لا يتحرك. هذا الانبوب ينتهي بما يشبه المحقان، يسكب فيه الحليب والمواد المغذية كي يبقى السجين على قيد الحياة رغما عنه. وحتى تكون العملية مؤلمة، وكي ينال المضرب عن الطعام تعذيبه اللازم من ادارة السجن، يسكب الحليب ساخنا جدا كي تضرر المعدة في حدها الاقصى، وتصاب بحروق مزمنة والم لا يستطيع الانسان تحمله.
رفض راسم حلاوة فتح فمه وقاوم بشدة الامر الذي دفع السجانين الى حشو الانبوب عنوة في انفه فدخل طرفه الآخر الى الرئتين، لم يستطع راسم التنفس ولاحظ القتلة ذلك وعلموا ان طرف الانبوب الداخلي لم يدخل الى المعدة بل الى الرئتين، ومع كل ذلك وبنية مسبقة للقتل، قاموا بسكب الحليب الحار الى درجة الغليان في انفه فسال الى الرئتين، وكانت النتيجة ان استشهد راسم تحت هذه العملية (الجراحية) بامتياز!؟
راسم حلاوة شهيد فلسطيني من اسرة لاجئة في قطاع غزة، لم يكمل دراسته الابتدائية، انتمى الى قوات التحرير الشعبية التي قررت بعد معركة الكرامة الاندماج في حركة فتح ابن مخيم جباليا وابن عائلة مهاجرة من فلسطين بالقوة والبطش اسوة بالكثيرين من ابناء شعبنا الذين هجروا بالقوة الاسرائيلية الغاشمة وبالمذابح الجماعية، وهم من شكلوا وقود الثورة مع باقي ابناء الشعب الفلسطيني.
شاب مدرب بشكل جيد، فهو ابن قوات التحرير الشعبية التي كان لها باع طويل في الخبرات القتالية والتدريب، فهي سليلة جيش التحرير الفلسطيني الذي تم تشكيله مباشرة بعد قرار انشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 4691 شاب متين العضلات ذو كفاءة قتالية عالية، عندما علم راسم بقرار الاندماج مع فتح، اعلن هو الآخر انضمامه اليها وكان في المعتقل، تم نقله في اواسط السبعينيات الى سجن بئر السبع، لم يمكث راسم طويلا هناك بسبب نشاطه الملحوظ حيث شكل سياجا منيعا للامن الاعتقالي داخل السجن، وكان حارسا امينا، ومدافعا شرسا عن وحدة التنظيم وسلامة المعتقلين، لذا فقد كان مستهدفا من ادارة السجون فتم نقله الى سجن نفحة عام 0891 مباشرة بعد افتتاحه، تم تصميم سجن نفحة ليكون مكانا يضم قيادات العمل النضالي لابعاد تأثيرهم الوطني عن سائر المعتقلين الآخرين.
الوضع اللاانساني في نفحة دفع المناضلين الى اتخاذ قرار البدء في الاضراب المفتوح عن الطعام، استغرقت عملية الاعداد للاضراب شهرين كاملين، لكنه اتى بثماره، اذ ومنذ اليوم الاول انضمت باقي المعتقلات الى الاضراب، ما دفع ادارة السجون الى الهستيريا، وبدأت منذ تلك اللحظة تنكر بطريقة الانتقام من المتسببين في الاضراب العام الذي شمل كل السجون والمعتقلات.
تم نقل راسم وخمسة وعشرين معتقلا آخرين الى سجن الرملة لعزلهم عن الآخرين، وابعاد تأثيرهم، وتم اتخاذ القرار الحاسم باطعام المضربين عنوة، وكانت الفكرة الجهنمية بايلاج ذلك الانبوب المطاطي بالقوة وصولا الى معدة المضرب عن الطعام.
ذهب راسم ضحية (زندة) وذهب آخرون، ما دفع بقية المعتقلين الى التمرد التام ووصلت قضية (الزندا) الى المحافل الدولية والى المحكمة الاسرائيلية العليا، التي اتخذت قرارا بمنع الاطعام القسري، واعتبرت ان من حق السجين المضرب عن الطعام ان يتناول كوب حليب برغبته هو دون ان يعتبر ذلك مساسا بكونه مضربا عن الطعام.
رحم الله شهداءنا واسكنهم فسيح جنانه
المرجع: نصب تذكاري - حافظ ابو عباية ومحمد البيروتي