جزيرة شيلّينغن
حنان باكير
غاص مركبنا في الأزرقين. السماء والبحر.. وجهتنا جزيرة شيلّينغن. من بعيد لاحت لنا غابة خضراء كبيرة، وسط زرقة سماوية.. هناك أرسى زوج ابنتي المركب عند جسر خشبي. وبعد مسير خمس دقائق صعودا في الجزيرة، تذكرت أني نسيت حقيبة يدي على الشاطئ. قالت ابنتي، ليست مشكلة، سنرجع بعد الظهر! ثم ردّت على دهشتي، هذه جزيرة خاصة، ولا يدخلها غرباء، فقط القاطنون هنا، ويعرفون أنها لأحد من الجزيرة! أثارت فضولي لمعرفة قصة ذلك المكان، الذي تنطبق عليه مواصفات الجنة!
يُحكى ان ثريا نرويجيا، زار المكان سنة 1828، أعجب بالجزيرة، وقام بشرائها، بكل ما عليها من بيوت. وابتنى لنفسه بيتا كبيرا مؤلفا من ثلاث طوابق. وقرر أن تكون الجزيرة لنسله من بعده ولا يدخلها غرباء، فقام بسنّ دستور لها، ومن يخرق هذا الدستور، يحرم من الإقامة فيها. فكّر ايضا أن بعضا من نسله قد لا يملك القدرة المادية، لامتلاك يخت او مركب، فقام ببناء جسر خشبي وحديدي يصل الجزيرة بالبر.. مع شراء قطعة الارض حيث ينتهي الجسر، لتكون مواقف لسياراتهم! فما هو ذلك الدستور؟
يُمنع البيع لأي غريب. كما يمنع البيع بين الورثة. تقوم لجنة منتخبة، للإشراف على التنفيذ. على ان تكون اللجنة من المقيمين بشكل شبه دائم في الجزيرة. عدم بناء بيوت جديدة، التوريث الشخصي ممنوع ايضا، ومن يرغب بالحصول على بيت، يتقدم بطلب للجنة، وينتظر دوره، حتى يشغر بيت. ويسكنه حتى وفاته، ليكون من نصيب شخص اخر من العائلة.. والأولوية لمن يقدم خدمات اكثر للجزيرة، ويتردد عليها باستمرار. الخدمات تتلخص بتشذيب الأشجار، وقص الأعشاب، والاهتمام بأشجار الفاكهة من كرز وتفاح واجاص وكل انواع التوت البري. والمحافظة على نظافة المكان والشاطئ حولها. ولا تمس بأذى كل انواع الطيور فيها.
لم يغفل الرجل ايضا، كيفية المحافظة على العلاقات بين افراد اسرته. سنّ قانونا بأن تجتمع الأسرة بكل تفرعاتها، في شهر تموز، من كل عام، وهو فصل الصيف القصير، وفي يوم يُحدد بالاتفاق بين الجميع، يتناولون وجبة الغداء معا، ويتعارفون.. فتأتي المواليد الجديدة، والمتزوجون والمتزوجات من العائلة، فيقضون نهارا ممتعا. كل عائلة تأتي بطعامها، وغطاء طاولتها وصحونها أما الحلويات فهي مشتركة وصناعة بيتية.
مع بداية كل فصل في السنة، يجتمعون في عمل جماعي، لتنظيف الأرض والاعتناء بكل عشبة هناك، وكل طير! رأيتهم حقا عائلة واحدة، رغم تباعدهم بالزواج من غريبات او غرباء عن العائلة، وهذا الامر لا يقلقهم، بل يسعدهم بتمدد العائلة.
قبل ثلاث سنوات، وعند مولد حفيدي " ماتياس"، غرسنا أمام بيت جدته في الجزيرة، شجرة كرز، وفقا لطقس فلسطيني، حيث كان اباؤنا يغرسون شجرة في حديقة البيت، مع مولد كل طفل جديد.. حفيدي الذي هو في جزء منه، هو من سلالة ذلك الرجل العظيم، الذي عرف كيف يسن القوانين العائلية، التي تجمع العائلة على مر الزمان.
وكثيرا ما تساءلت: كيف استطاعت تلك العائلات الكثيرة من المحافظة على تلك العلاقات الجيدة، ولم تختلف وتتنازع على الإرث والإطاحة به، كما يحدث في اكثر الأحيان؟؟ والنرويج في ذلك الزمان، لم تكن على درجة من التطور كما هي الان!!
أول مرة سمعت قصة هذه الجزيرة، بكيت وبكيت بحرقة! ألا تستحق فلسطيننا، وهي إرثنا الخالد، ان نوحد صفوفنا، وان نجعل بوصلتنا باتجاهها، وان لا نشرك بها اي مشروع اخر حتى لو كان دينيا!!