حسين فخري الخالدي
عدلي صادق
صدرت قبل نحو سنة، عن دار "الشروق" الفلسطينية - الأردنية، مذكرات الطبيب والسياسي الفلسطيني المخضرم حسين فخري الخالدي، وهي في ثلاثة مجلدات ضمت مجتمعة ألفا ومئة صفحة. ومع كل الامتنان لأخينا د. رفيق الحسيني، ابن شقيقة صاحب المذكرات، ننوّه الى أن هذا الإصدار المهم للغاية من الوجهة التاريخية، الذي ثابر على تحريره د. رفيق، بعد أن تسلم مخطوطته من والدته؛ جدير بالقراءة المتأنية، لأن الراحل حسين فخري الخالدي، كان حاضراً عبر العديد من المراحل التي سبقت انتهاب فلسطين، ومشاركاً في الاجتماعات، راصداً لفجوات العمل العربي وتخلفه ودسائسه، وكان شاهداً على الكواليس كلها، وعلى تفصيلات كثيرة عاشها، بالاسم وبالموقف وبالهمسة. يسجل الرجل في دفتره كل اعتراض له، على موقف أو ممارسة سياسية أو خلاف ذي نتائج سلبية، فيما هو - كفلسطيني مقدسي - لا يقوى على احباط أي مسعى كارثي أو خياني، أو فض خلاف، أو تصويب ممارسة سياسية، أو فضحها في حينها. وقد كُتبت مذكراته منقولة عن مخطوطتها الأولى، المرفقة بالصور، التي نشرت في المجلدات الثلاثة ومرفقة أيضاً بوثائق أخرى نشرت في خاتمة المجلد الثالث. وللحق كان السياق مشوّقاً جداً، يستعذبه من يحب القراءة ويزهد في التلفزة إلا من نشرات أخبار. ففي فلسطين وحتى في العالم العربي، تمنيت لو أن كل مهتم بالعمل الوطني العام، يقرأ هذه المذكرات، بدل تضييع الوقت في متابعة تلك البرامج أو المسلسلات السخيفة المشقلبة بالطائرة وبثقيلات الدم، التي لمحتها على الشاشة عندما لاحظت أنها أضحكت أطفالي. ففي مذكرات الخالدي، يتابع واحدنا سياقاً مثيراً مزدحماً باللقطات وبتعليقات رجل أحب وطنه، على أنباء الصحف قبل نحو 80 سنة صارت تاريخاً. وعلى امتداد الفصول التي سماها الخالدي "دفاتر" تفوقت الصورة القلمية، ورشاقة التعبير، على مستوى التهجئة والنحو، حسب ما هو مألوف في الوثائق القديمة المكتوبة بالريشة.
ولعل أكثر ما في المذكرات من عناصر القيمة والأهمية التاريخية، أنها كما التصوير الشمسي الجيد، تعطيك صورة واضحة عن الأدوار والأسماء المتداولة التي قرأنا عنها في الدراسات التاريخية الفلسطينية والعربية، بدل الصورة المغبشة. وهذا ما فعله الى حد كبير -على هذا الصعيد - الراحل محمد عزة دروزة. ويزدحم السياق الطويل، لتجربة الخالدي بالمفارقات واللقطات والطرائف، لا سيما عندما يتوغل الكاتب في بُنية التخلف والبؤس والجهالة البليغة، التي كان عليها العمل العربي، وكانت سبباً مباشراً في وقوع المصيبة. فعلى امتداد الصفحات، يسجل حسين الخالدي رأيه بتهذيب شديد، وربما كانت أرهقته لحظات انفعال، فسجل في المخطوطة لفظاً غليظاً في التقريع، لكن ابن اخته رفيق، أسقط تلك الألفاظ القليلة، من النص المصفوف ثم المطبوع، التزاماً بما كتبه الخال نفسه مؤكداً على أنه أغفل عن ذكر أسماء بعض الأشخاص الآخرين "لأن قصدي لم يكن فيما أكتبه، التشهير أو التعرض لشؤون شخصية بحته"!
قدّم حسين الخالدي معاينته لكل المؤسسات العربية، وللمؤتمرات التي انعقدت منذ أن أصبحت لفلسطين قضية، ومنذ أن أصبحت القضية، بين أيدي فريقين من النُخب السياسية. أولها، وهو الداهية اللئيم والأقوى والمتوطئ والطامع والمعتدي، الذي يمثله الساسة الصهيونيون وفي محاذاتهم المستعمرون البريطانيون والثاني وهو الساذج أو الفارغ أو الموتور العربي، من ساسة وجهاء المدن القحطانية، المطربشة رؤوسهم - آنذاك - بالطرابيس الحُمر، كأنها أعراف الديوك!
لا قدرة لي على تحميل هذه المساحة حتى بالقليب مما حفلت به مذكرات حسين فخري الخالدي من المفارقات والتعليقات عليها، والعبر واللقطات التاريحية الجديدة عليّ. لكنني أسجل سريعاً، لقطة هي من قبل السياق وبعده: إن سيرة حياة الرجل العملية (الــ CV) لو جرى توزيع فقراتها اليوم على أعضاء نادي المسؤولين في فلسطين وفي العالم العربي، لجعلت منهم جميعاً ساسة مخضرمين. في الخطوط العامة، هو درس الطب في استنبول، ومارسه كطبيب عثماني مع فيالق الجيش، في دائرة جغرافية واسعة، واجه داخلها قسوة الحرب وشظف العيش في صحراء سيناء على حافة القناة، ثم رجوعاً الى العريش ثم الى خط غزة بئر السبع، ثم العمل في أقضية بلاد الشام، قبل الانتقال الى القدس التي أصبح رئيس بلديتها. وقد نفاه البريطانيون الى جزيرة سيشل، ومن ثم منعوه من دخول فلسطين، ومارس الكتابة النقدية في الصحافة (منها مقال في العام 1952 ينتقد وكالة الأونروا بما تُنتقد به اليوم). قبل عام من تسلمه حقيبة الخارجية في الأردن، وبدء تجربته مع حوارات وصراعات ما بعد هزيمة 1948.. الخ
تعرض المذكرات، تجربته السياسية، مع العمل العربي الذي أسهم في انتاج الهزيمة ودأب على تعميقها وتكريسها. وقدم الخالدي الكثير من الأمثلة على أخطاء ما زالت تتكرر.. ما أوجب التنويه الى اهمية قراءة مذكراته ــ على مستوى الطبقة السياسية الفلسطينية على الأقل - وهي صدرت بعنوان "ومضى عهد المجاملات"!