مسرحية "مشعلو النيران" في القصبة تشرك الجمهور بالجريمة
بقلم: ميس عاصي

مسرحية "بيدرمان ومشعلو الحرائق" كوميديا سوداء، للكاتب الالماني "ماكس فرش" تتناول باسلوب ساخر، المواطن السلبي الذي يرى الدنيا تشتعل من حوله ، ويرى مشعلو الحرائق يقومون بترويع المدينة بأكملها بينما يجلس هو لا يحرك ساكناً، والادهى من ذلك انه يستضيفهم "وبكل سذاجة" في بيته إلى أن يشعلوا النيران حوله وفي كل مكان. وهنا نضع ايدينا على الجرح، ونكتشف العلاقة بين النفاق الاخلاقي والخطر الاجتماعي .
"بطل الواحد يقدر يولع سيجارة الايام هاي من دون ما يخاف من الحرايق" "كل الي بيحرقوا البيوت بدهم حرق" بين هاتين العباراتين نسمع الضحك يخرج من وراء الكواليس، معبراً عن استخفافه بهذا الرجل الذي يدعى "بيدرمان" ومن ثم يعلو صوت الموسيقى، ويبدأ الرقص الجميل على خشبة المسرح، حيث يرقص الممثلون مع الجمهور الذي يجلس بدوره على الخشبة، ويشترك معهم في التحذير من مغبة ما يجري.
تنتهي الموسيقى، ويقف الرقص، لتبدأ رحلة الجمهور مع مغامرة السيد "بيدرمان"، الذي حقق ثروة كبيرة من تصنيع مستحضرات التجميل والعناية بشعر، السيد بيدرمان متزوج من سيدة مريضة بالقلب. شديد الخوف على ما يمتلكه وما يتمتع به من منافع وامتيازات، وهو مستعد دائماً لتخلي عن القيم والمبادئ السامية التي يتشدق بها في سبيل الحفاظ على الثروة والملكية الخاصة، إلى درجة أنه قام بفصل أحد العمال"سميث" ورفض أن يعطيه اتعابه، فانتحر هذا العامل وحرق نفسه، ورغم ذلك لم يكن عند السيد بيدرمان اي درجة من العطف اتجاه هذا العامل ولا اتجاه زوجته التي جاءت لتطالب بحقه وحق اولاده، و ايضاً نراه يتعامل مع خادمه "سام" الذي قام بتمثيله الطالب"رزق ابراهيم"، وكأنه يمتلكه. وهذا العامل"سميث" والخادم "سام" يمثلون شريحة كبيرة من العمال الذين يقضون حياتهم في المصانع من أجل توفير قوت اطفالهم وعائلاتهم، وفي النهاية لا يجدون من ينصفهم ويدافع عن حقوقهم . وهذا يقودنا إلى تلك المقولة الشائعة التي تسيطر على هذا العصر" مقدس ما هو مقدس، الملكية الخاصة شيء جداً مقدس" فالانسان المعاصر شديد الخوف على ما يمتلكه ، وهذا ما تعكسه شخصية السيد بيدرمان الذي قام بتمثيلها الطالب "أوس الزبيدي"، فهو رجل لا يهمه ما يحدث خارج بيته، ويظن أنه خارج اللعبة، ولا يمكن أن يمسه الخطر الذي يهدد المدينة، ويصل بهذه القناعة إلى حد السذاجة، حيث يستضيف في بيته مشعلي الحرائق، يسرحون ويمرحون، دون رقيب، وتصل به السذاجة إلى أن يتورط معهم فيما يفعلون من حيث لا يدري، وحتى انه يتسترعليهم عند وصول الشرطة إلى البيت، فيصبح متواطئاً في العملية، وفي النهاية يقوم باعطائهم عود الكبريت، الذي أشعل البيت بأكمله .
اما بالنسبة لمشعلو النيران الذي قام بتمثيل أدوارهم الطالب "منذر بنورة" و "حمدي الكوني" فهم جزء من هذا المجتمع، وهم ايضاً من أجل تحقيق مصالحهم الذاتية نراهم وقد تملكتهم النزعة الاجرامية، وهذا ما كان الكاتب"ماكس فرش" يريدنا أن نصل أليه، ، حيث قام بكتابة هذه المسرحية في اعقاب سقوط الاحزاب الفاشية والنازية، في الحرب العالمية الثانية، ليذكر الاوروبين بتواطئهم مع حرائق هتلر وموسوليني، أما صمتاً أو تحايلاً أو تأييداً.
وها نحن نرى التاريخ يعيد نفسه، حيث يعود الحزب النازي في المانيا وبقوة، ويمارس نفس الافعال، تحت مسمى مختلف، ولكن الهدف واحد "تطهير العرق" .
شم الريحة شم، ريحة بتركض مع الريح في جواها شي صريح، صاروا كثار جوا الدار يعني خطر يعني نار" بهذه العبارات التي يحكيها الكورس الذي قام بتمثيل ادواره الطالب"غنطوس غنطوس" و "مسعد هاني" و صهيب أبو غربية"، والتي يدوي صداها مع قرع الطبول ليخترق جدارن المسرح، في محاولة أخيرة للتحذير، وكأنه يقول لنا " استيقظوا من هذا السبات العميق، لا تحرقوا انفسكم بايديكم، ما يحدث خارج بيوتكم، اصبح الان جزء منكم،هذا ما رمى اليه المخرج"جورج ابراهيم" ليحذر من الصمت العربي القاتل تجاه التطرف الذي يقودنا إلى التخلف، وبالتالي إلى الضياع .
وقد عبر المواطن "يزن عدنان الزبيدي" عن العرض بقوله: (المسرحية جميلة، تحاكي الواقع العربي بشكل كبير، كانت كل عناصر المسرحية متكاملة، لكن المفاجئة الفعلية هو عمل الممثلين، و ان العمل من الملابس والاضاءة و الصوت و السينوغرافيا كله من عمل الطلاب. كان التعاون في هذا العمل بين طلاب اكاديمية الدراما في مسرح القصبة و طلاب مركز الحارة لتدريب الفنون الادائية موفق و يعطينا نظرة مقتضبة عن مستقبل المسرح الفلسطيني بدم شباب جديد و بالتأكيد الاستفادة من الخبرات السابقة، و فعلا بتمنى الحركة المسرحية تزدهر و الناس تحضر مسرح، لانه المسرح الفلسطيني جزء لا يتجزء من ثقافتنا وحضارتنا) .
قام بإعداد واخراج المسرحية المخرج"جورج ابراهيم"، وقام بالتمثيل طلاب الصف الثالث في اكاديمية الدراما :اوس الزبيدي، حمدي الكوني، رزق ابراهيم، صهيب ابو غربية، غنطوس غنطوس، مسعد هاني، ومنذر بنورة . بالاشتراك مع الطالبة ميس عاصي، والممثلة شمس عاصي .
وايضاً شارك في هذا العمل طلاب مركز الحارة لتدريب الفنون الأدائية - PARC، محمد رواشدة - إضاءة ،محمد كراجة – صوت، إيهاب زبلح – ملابس، محمد الراعي – سينوغرافيا .
مواضيع ذات صلة