عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 تموز 2015

أحمد عبد السلام الفيتوري

عيسى عبد الحفيظ

والده شهيد وجده كذلك, لازم الشهيد عمر المختار سيد الشهداء في مقارعة الغزو الايطالي, الذي سطر في التاريخ العربي وفي تاريخ ليبيا تحديدا صفحات كتبت بأحرف من نار ونور وذهب.

التحق بمنظمة "شباب الثأر" التي انبثقت عنها فيما بعد الجبهد الشعبية لتحرير فلسطين, لكن الأمر لم يدم طويلا حين تكشفت سياسة الهروب في معركة الكرامة بسحب كل مقاتلي الجبهة الى الخطوط الخلفية. كان احمد الفيتوري يراقب المعركة عن بعد ويرى صمود الشباب في مواجهة آلة القتل والتدمير الاسرائيلية وكيف يتصدى الشباب بأسلحتهم الخفيفة وامكانياتهم المتواضعة لتلك الجحافل المجوقلة. كان عبد السلام يراقب سير المعركة من قمة جبل لا يبعد عن الكرامة كثيرا فشاهد الصمود الأسطوري. وبناء على تعليمات قيادته انسحب الى الخطوط الخلفية. فقد صوابه وبدأ يهيل التراب على رأسه واصفا نفسه بالجبان بناء على استجابته للأمر العسكري الذي نفذه بالانسحاب وعدم المشاركة في اول معركة مجابهة مباشرة مع العدو السبب الذي جاء بجده الى فلسطين ليقارعه دفاعا عن عروبتها.

شكلت هذه الحادثة نقطة تحول مفصلية في حياته فترك الجبهة الشعبية بقيادة احمد جبريل آنذاك, والتحق بحركة فتح التي شاهد شبابها ينقضون على الدبابات الاسرائيلية ويفجرون انفسهم بداخلها كالشهيد ربحي والشهيد ابو الندى.

بدأت حكايته من ليبيا, فبعد استشهاد القائد عمر المختار عام 1931, غادر الفيتوري الأكبر جده لأبيه ليبيا متجها الى فلسطين. لم يطل به الوقت حتى سقط شهيدا في معركة مع الاستيطان الصهيوني في الطريق الواصل بين القدس وبيت لحم.

سلك والد احمد طريق ابيه فسقط هو الآخر شهيدا في مواجهة الاحتلال البريطاني والاستيطان اليهودي اثناء مهاجمة احدى المستوطنات في بداية الاربعينيات.

بدأت تراجيديا احمد منذ سقوط والده شهيدا حيث سارعت والدته الى الزواج مرة اخرى, ما دفع احمد الى انتهاج طريق الاحداث المشاغبين فدخل السجن وعندما خرج لم يجد والدته ولا زوجها فقد غادرا الى مكان مجهول, فعاش حياة المتشرد بكل معنى الكلمة. لا بيت ولا عائلة ولا تعليم ولا مهنة.

غادر الى عمان حيث عمل عتالا في سوق السكر, فهو قوي البنية شديد الاحتمال رغم صغر سنه. اطلق عليه لقب "ابو سنارة" ويبدو انه اشتق من الخطاف الذي كان يستعمله في رفع اكياس السكر. بالكاد يعرف قليل ممن لازموه اسمه الحقيقي فقد طغى اللقب على الاسم: غادر الى لبنان ليعمل في ميناء بيروت عتالا لكن الاضطرابات دخلت حياته الفوضوية اصلا فألقي القبض عليه واعيد الى الاردن ليمارس عمله من جديد العتالة في سوق السكر.

حاول عدة مرات الالتحاق بالثورة الجزائرية لكن عدم امتلاكه لوثائق رسمية حالت دون تحقيق رغبته, فعاد من جديد الى سوق السكر, حدثت هزيمة حزيران عام 1967, فانطلق العمل الفدائي العلني على الساحة الاردنية التي وجد فيها احمد ضالته التي طالما حلم بها لتوائم نفسيته المتمردة وليجد مجالا رحبا لتصريف طاقته الهائلة المخزنة, وللتنفيس عن حالته النفسية المتمردة اصلا, وليلتحق كما قال بسيرة والده وجده الشهيدين.

اعتقل عام 1968 بعد اجتيازه نهر الاردن وحكم بالسجن المؤبد في سجن عسقلان السيئ الذكر والسمعة.

على الرغم من قسوته احيانا كعتال في سوق السكر, فقد تميز بروح وطنيته عالة وصفات ثورية صارمة وشجاعة مكتسبة من نمط حياة قاسية واسلوب مواجهة وتحد, ولم يملك "ابو سنارة" ميزات اخرى, لذا كان مناسبا كعامل نظافة في السجن ما اتاح له فرصة العناية بشجرة النخيل الشهيرة في سجن عسقلان, والتي كان ابو سنارة يقضي ساعات يومه الطويلة حولها وتحتها في الوقت الذي لم يكن يسمح للمعتقلين الآخرين بقضاء اكثر من نصف ساعة بقربها يوميا.

خمسة عشر عاما بالتمام والكمال قضاها ابو سنارة الى جانب شجرة النخيل في سجن عسقلان حتى تمت عملية التبادل عام 1985 ليخرج ابو سنارة ويتزوج ويرزق بأولاد وبنات ساهموا في تليين قسوة حياته وخففوا من الشقاء الطويل. عاش بقية حياته في مخيم غزة بالاردن غير المعترف به رسميا من قبل السلطات الاردنية. وقد يكون اختياره لهذا المخيم المهمل بين احراش جرش انعكاسا لحياته التي قضاها غير معترف به رسميا. رحمه الله واسكنه فسيح جنانه. وهكذا طويت صفحة من صفحات النضال العربي من اجل فلسطين.

المصدر: كتاب نصب تذكاري محمد البيروتي وحافظ ابو عباية.