عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 تشرين الأول 2026

جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 14)

زيتونيات- فياض فياض

غزة العزة.. كبرياء الذهب الأخضر المباد وصمود الـ 8% في وجه الحصار الزراعي

بعد أن استعرضنا في الحلقات الثلاث عشرة السابقة الميزات الطبوغرافية والتصديرية لمحاصيل محافظات الشمال والوسط، واختتمنا جغرافيا الضفة من قلعة الخليل، نقف اليوم بكامل الوقار الوطني والهيبة الفنية أمام حلقة استثنائية فرضها الواجب القومي والعلمي؛ لنحط الرحال في قطاع غزة (المحافظات الجنوبية). ونفتح ملفاً وثائقياً بعنوان: "زيتون غزة.. كيف كان قطاعها الشامخ وكيف أصبح"، مستندين إلى أحدث التقارير الميدانية الرسمية لعام 2026 الصادرة عن لجنة الطوارئ العليا لوزارة الزراعة الفلسطينية.

إن شجرة الزيتون في الوجدان الغزي ليست مجرد ركيزة بستنة شجرية تشغل 55% من مساحات البساتين المثمرة؛ بل هي ركن السيادة الغذائية وعنوان الهوية الثابت فوق الرمال والسفوح الساحلية الدافئة.

1- المشهد قبل تشرين الأول 2023: واحة الاكتفاء الذاتي الكامل:

حتى مطلع خريف عام 2023، كان قطاع غزة يسجل قصة نجاح زراعية رائدة؛ حيث تتربع 44,850 دونماً من بساتين الزيتون العريقة على امتداد محافظات القطاع، بإنتاج سنوي متوقع يتجاوز 38,055 طناً من الثمار الفاخرة. وكان هذا القطاع يحرك عجلة اقتصادية ضخمة تشغل 20,000 عامل وفلاح، وتدير 37 معصرة حديثة بـ 68 خط إنتاج ميكانيكي متطور. والأهم فنيّاً، أن غزة كانت تتربع على عرش الاكتفاء الذاتي بنسبة 100% من زيت الزيتون، بل تقوم بتصدير الفائض، الى السعودية والامارات العربية بأصناف زيتون هي السري والشملالي وK18.

2- المشهد الحالي لعام 2026: لغة الأرقام الصادمة وحرب الإبادة الزراعية:

يكشف التقييم الميداني الحصري لعام 2026 عن حجم دمار غير مسبوق في التاريخ الزراعي الحديث؛ حيث تعرضت البنية التحتية لإبادة ميكانيكية كاملة نفند معالمها بالتالي:

- إبادة الأشجار والمساحات: تم تجريف وتدمير 89% من إجمالي مساحات الزيتون (ما يعادل 39,580 دونماً)، وأسفرت العمليات العسكرية عن اقتلاع وتدمير 1,394,750 شجرة زيتون، ولم يتبقَ سوى 5,000 دونم صامدة ومعزولة في المحافظة الوسطى.

- المعاصر: خرجت 29 معصرة عن الخدمة تماماً من أصل 37 معصرة (توقف 78% من الطاقة الاستيعابية)؛ حيث دمرت معاصر الشمال وخانيونس ورفح كلياً، ولم يتبقَ في عموم قطاع غزة سوى 8 معاصر عاملة فقط تحت الطوارئ.

3- فجوة الانتاج والاحتياج:

 نسبة استخلاص الزيت من الثمار المتاحة في القطاع هي 15% فقط وارتفعت الى 16% بعد برامج تطوير قطاع الزيتون للفترة من 2017-2022؛ ولكن ظهرت حقيقة كانت صادمة انه في يناير عام 2024 وبعد وقف اطلاق النار، هب المزارعون الى حقولهم غير المقطوفة، وتم عصر المحصول في معصرة المهندس محمد امين وافي في خان يونس وكانت المفاجأة ان نسبة السيولة كانت 33% و34%،  ليلغي جميع النظريات والمعتقدات السابقة عن نسبة الزيت في غزة. ونعود حاليا في عام لنعود لنفس النسبة السابقة عام 2026، بسبب قلة الخدمة من تقليم، وتسميد، وانقطاع آبار الري. ونتيجة لذلك، سيسجل القطاع هذا العام إنتاج 345 طناً فقط من الزيت، مقابل احتياج فعلي للسكان يبلغ 4,400 طن.

هذه المعطيات تضعنا أمام فجوة نقص حادة تبلغ 4,055 طناً (92% من احتياج السكان غير مغطى)، مما دفع نسبة الاكتفاء الذاتي للهبوط إلى 8% فقط، وتسبب في قفز أسعار تنكة الزيت بمقدار ثلاثة أضعاف لتصل إلى 1,500 شيقل للتنكة الواحدة، وهو عبء مالي باهظ يفوق القدرة الشرائية للعائلات المحاصرة.

نداء السيادة والترميم الدولي:

إن عرض هذه البيانات الموثقة في المحافل العربية والدولية، وداخل أروقة المكتب العربي للزيتون والمجلس الدولي، هو واجبنا المستقل؛ لنطلق نداءً عاجلاً للمؤسسات المانحة لـتقديم دعم استثنائي طارئ يشمل توفير السولار وزيوت المحركات للمعاصر الثمانية المتبقية، وتأمين مستلزمات القطف من سلالم وأغطية لـ 600 مزارع صامد في الحقل، لإنقاذ ما تبقى من هذه الثروة الوراثية والوطنية الشاهدة على كبرياء الأرض، تمهيداً لحلقتنا الرابعة عشرة القادمة التي سنخصصها لتشريح واقع الزيتون الفلسطيني في ظل الاستيطان بالضفة الفلسطينية المحتلة.