عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 03 تشرين الأول 2026

حين كانت التحية تكفي.. حكاية صورة

هلا سلامة*

كنتُ يومها طفلة لا أعرف من السياسة شيئاً، ولا أعرف خرائط النفوذ ولا حسابات الدول كنت أعيش كما يعيش الأطفال على سجيتنا، بقلوب مفتوحة، وببراءة لا تسأل الإنسان عن طائفته ولا عن وطنه ولا عن الجهة التي جاء منها.

في تلك الصورة، أقف وأرفع التحية لجندي من جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة.

لم أكن أعرف يومها أنني أحيّي رجلاً سيبقى جزءاً من ذاكرتي ولا أن تلك اللحظة الصغيرة ستتحول بعد أكثر من أربعين عاماً إلى شهادة على زمن كامل .

كان جنود اليونيفل يومها يعيشون بين أهل الجنوب، في القرى والبلدات الحدودية ،  لم يكونوا زواراً عابرين كانوا جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية ،  نراهم في الطرقات، في الساحات، في المناسبات، وفي البيوت أحياناً ، أكلوا من طعام أهلنا، وشربوا قهوتهم، وتبادلوا معهم الأحاديث، ونسجوا صداقات وعلاقات امتدت لسنوات طويلة، حتى أصبح بعضهم، مع مرور الزمن، من أهل تلك القرى، وامتدت بعض العلاقات إلى المصاهرة والنسب .

كان اصحاب القبعات الزرقاء بالنسبة إلى كثير من أبناء الجنوب نافذة صغيرة على العالم، وبصيص أمل في زمن كان الاحتلال الإسرائيلي حاضراً في ما سمي  الحزام الأمني، وكانت الحياة محاصرة بالخوف والقلق والانتظار ولم تكن مهمتهم، في نظر الناس مجرد نقاط مراقبة أو دوريات أو تنفيذ مهام أممية رسمية ، قاموا بمشاريع وخدمات دعمت أهل الجنوب، ولا سيما في المجالات الزراعية والإنمائية والاجتماعية، وساهموا حيث استطاعوا في مساعدة الأهالي وتحسين ظروف حياتهم، لقد تركوا أثراً إنسانياً لا تستطيع البيانات العسكرية أن تصفه .

وعندما كان موعد عودة بعضهم إلى بلادهم يقترب كانوا يلتقطون الصور مع الأهالي، كأنهم يعرفون أن الرحيل ليس مجرد انتهاء مهمة بل فراق أصدقاء وبيوت وأمكنة أصبحت جزءاً من حياتهم لهذا كانت التحية في تلك الصورة أكثر من حركة يد طفلة ، كانت تحية محبة ، تحية من جنوبٍ كان يعرف كيف يفتح بابه للآخر، وكيف يرى في الإنسان إنساناً قبل أن يسأله من أين أتى ؟ واليوم، حين أعود إلى الصورة بعد أكثر من أربعين عاماً، احدق في مكان لم يعد كما كان ، احدق في بيت تهدم وجدران اختفت .

في ساحة مرجعيون التقينا من الخيام وكفركلا وحاصبيا وشبعا والجديدة وابل السقي.. جئنا في كل صباح  إلى  صروحها التربوية الراسخة تجمعنا مقاعد الدراسة ، في مدرسة " راهبات القلبين الاقدسين " لم نسأل يوماً من أي بلدة جاء هذا أو ذاك ولا عن دين المعلّم أو طائفته ، كنا نعرف بعضنا بالوجه والاسم والحكاية.

كانت بلدات الجنوب، تعرف معنى أن يكون الاختلاف جزءاً من الحياة لا سبباً للخصومة وفي القرية المختلطة، كانت الكنيسة والجامع جزءاً من المشهد نفسه، وكانت المناسبات تجمع الناس، لا تفرّقهم ، كانت هناك مساحة للحياة قبل أن تصبح الهويات وقوداً للحروب.. وكان جنود السلام جزء من هذه الصورة ويعرفون أن السلام الذي جاءوا من أجله ليس كلمة تُكتب في وثيقة.

واليوم امام التحولات التي يعيشها الجنوب وامام الحديث عن نهاية ولايتهم ومغادرتهم ، عن اي جنوب تغيرت ملامحه نتحدث وصار من يحمل فيه راية السلام موضع خلاف وعداء ؟

ليس السؤال : من يريدهم ومن لا يريدهم ؟  ومن أرادهم وقوداً ومن هاجمهم، ومن اعتبر وجودهم عبئاً أو تهديداً؟

السؤال : اي جنوب نريد ؟ والاحتلال يتربص بنا ، اي جنوب عبثت به المسميات واضحى ساحة لمشاريع الآخرين الذين ارادوا للجنوبيين ان يصبحوا مجرد تفصيل فيما هم وحدهم من يدفعون الثمن ؟ لكن الجنوب ليس تفصيلا واهله ليسوا الوانا متصارعة على خريطة .

ولم يكن الجنوبيون يوماً بعيدين عن الدفاع عن أرضهم؛ فمنذ عام 1948، حين بدأ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، دفع الجنوب اللبناني وأهله أثماناً متواصلة من الاعتداءات والتهجير والخسائر، وبقي الدفاع عن الأرض والتمسك بها جزءاً من ذاكرته ووجوده لا ورقةً في حسابات الآخرين.

ما نخشاه اليوم ليس فقط أن تُهدم البيوت، بل أن تُهدم معها الذاكرة التي كانت تقول إننا نستطيع أن نعيش معاً لان الحرب لا تنتهي عندما تصمت المدافع فقط ، تنتهي عندما يعود الانسان الى الانسان وعندما يصبح الاختلاف امرا طبيعيا ، لا تهمة .

الى جنود السلام الذين لم يكونوا عابرين في ذاكرة الجنوب نقول شكرا لانكم كنتم في زمن الخوف وجها من وجوه السلام نحتاجه وما زلنا نحتاجه اكثر من اي يوم مضى .. قد تنتهي مهمة لكن ما تركتموه لا يغادرنا  لكم التحية بالامتنان والبقاء وسلام لا ينتهي ..

------

* صحافية لبنانية