اختراع العزلة… حين تصبح الكتابة بيتًا للغياب
مهيب البرغوثي

وهو الكتاب الذي افتتح به بول أوستر مسيرته النثرية، وكتبه إثر وفاة والده المفاجئة. وهو عمل هجين يجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي والكتابة الأدبية، وينقسم إلى قسمين: «صورة رجل غير مرئي» و*«كتاب الذاكرة»*.
لا يكتب أوستر عن الموت، بل يكتب عمّا يتركه الموت خلفه.
لحظة واحدة كانت كافية ليتحوّل الأب إلى ذاكرة، ولتتحول الذاكرة إلى كتاب. هكذا وُلد «اختراع العزلة»؛ ليس بوصفه رثاءً للأب، ولا محاولة لتسجيل سيرة عائلية، وإنما باعتباره رحلة شاقة في البحث عن الإنسان الذي يختفي مرتين: مرة حين يموت، ومرة حين يعجز الآخرون عن تذكره.
كان الأب حاضرًا في الحياة وغائبًا عنها في الوقت نفسه. رجلًا يصعب الإمساك به، قليل الكلام، شديد التحفظ، حتى بدا لابنه بعد موته أكثر غموضًا مما كان عليه وهو حي. لذلك لم يكتب أوستر ليودعه، بل ليقترب منه للمرة الأولى. فالكتابة هنا ليست ترفًا أدبيًا، وإنما وسيلة وحيدة لمقاومة الفراغ الذي يتركه الغياب.
في القسم الأول، «صورة رجل غير مرئي»، يحاول أوستر أن يعيد بناء صورة والده من شذرات الذاكرة والوثائق والأشياء الصامتة. أما في «كتاب الذاكرة»، فإن الأب يغدو نقطة انطلاق لتأملات أوسع في الزمن واللغة والهوية والعلاقة المعقدة بين الآباء والأبناء، حتى يصبح الكتاب كله سؤالًا طويلًا عن معنى أن يتذكر الإنسان، وعن قدرة الكتابة على إنقاذ ما يتآكل في الذاكرة.
ما يميز هذا العمل أنه لا يمنح القارئ يقينًا واحدًا. إنه يتركه في مواجهة أسئلته الخاصة. فكل من يقرأ «اختراع العزلة» يعثر، بطريقة أو بأخرى، على أبيه، أو على ابنه، أو على نفسه. وهذا ما يجعل الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح تجربة إنسانية خالصة.
في ترجمة الشاعر سامر أبو هواش، يصل صوت أوستر إلى العربية محافظًا على هدوئه وتأمله، بينما يواصل الناشر الشاعر خالد سليمان الناصري رهانه على الكتب التي لا تُقرأ مرة واحدة، بل تعود لتقرأها في كل مرة نعود إليها.
ربما لا يهزم الأدب الموت، لكنه يمنحه لغة. وهذه، في النهاية، هي معجزة بول أوستر في «اختراع العزلة»: أن يحوّل الفقد إلى معرفة، والغياب إلى حضور، والذاكرة إلى وطن أخير لا يستطيع الموت أن يصادره.
مواضيع ذات صلة
حين كانت التحية تكفي.. حكاية صورة
اختراع العزلة… حين تصبح الكتابة بيتًا للغياب
"لا تنتظر ساعي البريد".. أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين
وزير الثقافة يترأس اجتماع اللجنة التحضيرية لمهرجان "الخيزران"
ملتقى القدس للحرف والإبداع يدعو لتعزيز الحضور الثقافي والأدبي في المدينة
كيف تأتي القصيدة؟
ولد مع النكبة، وكبر وشب في الزمن