سهل رامين.. من لوحة زراعية إلى ساحة مواجهة مع الاستيطان

طولكرم – الحياة الجديدة – مراد ياسين- على امتداد السهل الأخضر شرق مدينة طولكرم، تتجلى أراضي رامين كلوحة زراعية تختزن في تربتها حكاية مقاومة، وفي أشجار زيتونها ذاكرة أجيال تعاقبت على فلاحة الأرض وحمايتها من محاولات الطمس.
هناك، في سهل رامين، يشق وادي القطيس طريقه بين الأراضي الزراعية، مانحا المنطقة مشهدا طبيعيا خلابا، فيما تنتشر في محيطه معالم ومواقع أثرية، بينها منطقتا باب البيك والمسعودية، لتجمع المنطقة بين قيمة زراعية وطبيعية وتاريخية.
غير أن هذا المشهد الزراعي بات يواجه واقعا مختلفا منذ سنوات، تصاعدت حدته بصورة ملحوظة عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين تحولت أراضي رامين إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الاستيطان" خاصة في ظل إجراءات الاحتلال القمعية على وصول المزارعين إلى أراضيهم، وتصاعد إرهاب المستوطنين، وإقامة بؤر رعوية في مناطق زراعية، إلى جانب أعمال التجريف والحرق وشق الطرق الاستيطانية.
وطالت الاعتداءات مساحات واسعة من سهل رامين، حيث حرم مزارعون من الوصول إلى آلاف الدونمات، وتعرضت أراض زراعية لأعمال حرق وتجريف، في وقت أقيمت فيه بؤرة رعوية في منطقة وادي الشعير، ما زاد من صعوبة وصول أصحاب الأراضي إلى حقولهم.
ويقول الدكتور وائل الراميني إن الإجراءات القمعية بحق أراضي المزارعين شهدت تصعيدا كبيرا بعد السابع من أكتوبر 2023، موضحا أن المستوطنين، وبحماية قوات الاحتلال، يمنعون المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بالتزامن مع انتشار البؤر الرعوية وأعمال التخريب والتدمير التي تطال الأراضي ازراعية.
ويشير الراميني إلى أن لديه نحو 80 دونما من الأراضي صودرت نتيجة قربها من مستوطنة "عناب"، وكانت مزروعة بأشجار الزيتون التي جرى القضاء عليها بالكامل، إضافة إلى 35 دونما أخرى في منطقة "الغابات" بسهل رامين، أقيمت في وسطها بؤرة رعوية استيطانية بعد السابع من أكتوبر، الأمر الذي حال دون وصوله إليها وخدمتها، رغم احتوائها على مئات أشجار الزيتون والتين.
ويضيف أن السهل يقع في منطقة تتقاطع فيها أراضي رامين وسبسطية وبرقة ودير شرف، وتحيط به المستوطنات والبؤر الاستيطانية، الأمر الذي جعل الأراضي الزراعية عرضة لاعتداءات متكررة، بينها الحرق والتجريف وسرقة الممتلكات والمحاصيل.
ويؤكد الراميني أن المزارعين يواجهون صعوبة بالغة في الوصول إلى أراضيهم، حتى في مواسم قطف الزيتون، مشيرا إلى أن محاولات المؤسسات والجهات المختصة تنظيم أنشطة لمساعدة المزارعين على الوصول إلى حقولهم وقطف محاصيلهم اصطدمت بمنع قوات الاحتلال وطرد المشاركين تحت تهديد السلاح.
ولم تتوقف الأضرار، وفق الراميني، عند الأراضي والأشجار، إذ طال التخريب مشروع إعادة استخدام المياه المعالجة المقام في منطقة وادي الشعير، حيث جرى تخريب إمدادات وخزانات المياه، ما أدى إلى إخراج المشروع عن الخدمة.
أراض بلا مزارعين.. ومواسم بلا حصاد
أما البروفيسور إياد حمد، فيقول إن الاحتلال حرمه من الوصول إلى 20 دونما من أراضيه الزراعية في سهل رامين، موضحا أنه كان يتفقد أرضه ويخدمها بصورة دورية، قبل أن تتغير الظروف بشكل كامل عقب السابع من أكتوبر.
ويشير إلى أنه لم يعد قادرا على فلاحة أرضه أو رعايتها أو قطف ثمار الزيتون، مؤكدا أن استمرار المنع الاحتلالي على مدى السنوات الثلاث الأخيرة أدى إلى تعطيل دورة الحياة الزراعية في أرضه.
ويضيف حمد أنه أبلغ مؤخرا بسرقة ثمار الزيتون من أرضه، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها للتحقق من الأمر، بسبب وجود المستوطنين في المنطقة، مشيرا إلى أن المزارعين الذين يحاولون الوصول إلى أراضيهم يتعرضون للتهديد بالاعتقال أو الاعتداء.
ويقول إنه تواصل مع الارتباط الفلسطيني والجهات المختصة بهدف تأمين وصول المزارعين إلى أراضيهم، إلا أن أصحاب الجرارات الزراعية، يترددون في حراثة الأرض خوفا من تعرضها للمصادرة، خصوصا في مناطق الرواس والبابور والقبور.
13 دونما.. وموسم زيتون يتراجع
من جهته، يقول المحامي عاصم الراميني إن الاحتلال حرمه من الوصول إلى 13 دونما موزعة على ثلاثة مواقع في سهل رامين، وتضم مئات أشجار الزيتون.
ويؤكد أن انتشار البؤر الرعوية أسهم في تضييق مساحة وصول المزارعين إلى أراضيهم، لافتا إلى أنه منذ السابع من أكتوبر لم يتمكن من جني محصول الزيتون بصورة كاملة.
ويقول إن أرضه كانت تنتج في الموسم الجيد نحو 22 تنكة زيت، فيما يتراجع الإنتاج في الموسم الضعيف إلى نحو 7 تنكات، إلا أن استمرار منعه من الوصول إلى أرضه حرم عائلته من هذا المورد الزراعي.
ويربط الراميني كذلك بين منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وبين تعثر أعمال التسوية الجارية في المنطقة، موضحا أن عدم القدرة على الوصول إلى الأراضي يحول دون مسحها بصورة قانونية واستكمال إجراءات تسويتها وتسجيلها باسم أصحابها.
ويؤكد أن أصحاب الأراضي تواصلوا مع المؤسسات والجهات ذات العلاقة للمساعدة في تأمين الوصول إلى أراضيهم دون عوائق، إلا أن إجراءات الاحتلال ما زالت تحول دون ذلك.
السهل في مرمى التوسع الاستيطاني
ولا تأتي المخاوف التي يطرحها مزارعو رامين بمعزل عن تطورات شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة؛ فقد وثقت تقارير رسمية وصحفية مخططات وأعمالا استيطانية استهدفت أراضي زراعية، بينها مخطط سابق للاستيلاء على 1243 دونما من أراضي رامين وبيت ليد لتوسيع مستوطنة عناب وإنشاء وحدات استيطانية وشبكات طرق.
كما شهد سهل رامين خلال عام 2024 أعمال تجريف لأراض زراعية عند مدخل البلدة وصولا إلى السهل، بالتزامن مع اندلاع حرائق في الأراضي الزراعية،
وفي آذار/مارس 2026، أعلن عن إخطار مزارعين في سهل رامين بقلع مئات أشجار الزيتون تمهيدا لتوسعة طريق استيطاني، مع تقديرات بأن الأراضي المستهدفة تمتد على مساحة تقارب 1500 دونم في محيط رامين وسبسطية وبرقة وصولا إلى حدود عنبتا.
الزيتون.. عنوان الصمود
وفي ظل هذه الظروف، يوجه الراميني دعوة إلى أبناء محافظة طولكرم للمشاركة الجماعية في قطف ثمار الزيتون، مؤكدا أن حضور المزارعين وأبناء المجتمع المحلي في الأرض يشكل إسنادا لأصحابها في مواجهة الاعتداءات التي يتعرضون لها.
في سهل رامين، لا تبدو معركة المزارع مجرد موسم زراعي عابر؛ إنها صراع يومي للحفاظ على شجرة زيتون، وحراثة قطعة أرض، والوصول إلى حقل، وحماية محصول طال انتظاره عاما كاملا.
مواضيع ذات صلة
"يكشيلي عليك يا زيتونة"
وردة ومحمد حب وزاوج تحدى قضبان الاعتقال
قوات الاحتلال تعتقل ثلاثة مزارعين وتستولي على شاحنة في منطقة الرأس الأحمر
خلال جولة في ترقوميا وبيت أولا.. رئيس الوزراء يطلع على احتياجات البلدتين ويتفقد مشاريع إنتاجية تعزز الاقتصاد الوطني
خلال جولة في ترقوميا وبيت أولا.. رئيس الوزراء يطلع على احتياجات البلدتين ويتفقد مشاريع إنتاجية تعزز الاقتصاد الوطني
خلال كلمته بافتتاح معرض فلسطين للصناعات الإنشائية.. مصطفى: الصمود وحده لا يكفي.. نتحضر لمرحلة جديدة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني