عاجل

الرئيسية »
تاريخ النشر: 15 أيلول 2026

حين تضيق مساحات الثقافة الفلسطينية في القدس

كتبت: دينا تايه
كان الأطفال ينتظرون عرضًا مسرحيًا في القدس، حين اقتحمت قوات الاحتلال المكان. يتذكّر الممثل والمدرّب في مسرح "الحكواتي" فراس فراح ما حدث قبل نحو خمسة أشهر، ويقول"كان في مسرح للاطفال وعرض، اقتحمت وقتها قوات الاحتلال المكان وخافوا الاطفال الي المفروض العرض صار عشان يفرحهم!!"
في مشهد آخر، شهد فراح مهرجانًا للأطفال أُغلق خلاله المسرح، وبقي أفراد الطاقم ساعات في الانتظار، قبل أن تتوقف العروض. بالنسبة إليه، كان وقع القرار أكبر من مجرد إلغاء برنامج؛ إذ هدم بقرار واحد مخططًا كاملًا أُعدّ لإسعاد الأطفال.
ويقول فراح إن الحواجز أثرت أيضًا في قدرة الممثلين على الوصول إلى العروض والعودة منها "الممثلون اضطروا إلى إيقاف أجزاء من عروضهم لأن الحواجز جعلت الوصول والعودة غير مضمونين".
لكن ما يحدث للعروض لا يتوقف عند خشبة المسرح، بل يمتد إلى عمل المؤسسات الثقافية نفسها. 
ويقول مدير المسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي" عامر خليل إن التضييق يستهدف الوجود الثقافي ذاته، إذ يرى أن الهدف يتجاوز منع عرض بعينه إلى إعاقة وجود المؤسسات الثقافية والحركة الفنية في القدس: "التضييق مش مرتبط بطبيعة العروض، المنع والتضييق هو ضد وجود المؤسسات وإن يكون هناك حركة ثقافية في مدينة القدس".
ويضيف خليل أن الأعباء المالية تضيق مساحة العمل الثقافي "إيجارات المباني، والضرائب، والتكاليف الباهظة، كلها أمور تصغّر مساحة الثقافة والإبداع وتجعلها ضيقة"، مشيراً إلى أن ظروف الحرب خلال السنوات الثلاث الأخيرة عمّقت الأزمة وأدت إلى توقف وتعطل العديد من العروض.
في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، أصبح الوصول إلى الفعاليات تحديًا آخر. يوضح مدير المعهد سهيل خوري أن الوصول إلى المؤسسات بات مرتبطًا بمن يستطيع تجاوز الحواجز، فيما يتردد سكان المدينة خلف الحواجز في خوض رحلة الذهاب والإياب لحضور الفعاليات.
ويشير خوري إلى أن التمويل يشكل عبئًا آخر، خصوصًا مع اعتماد بعض الفعاليات على مبيعات التذاكر لتغطية تكاليفها. ويضيف أن السؤال الأصعب بالنسبة إليه يبقى "إيش ممكن يمرّ اليوم وإيش ما بيمرّ؟"، مشيرًا إلى إلغاء أو إيقاف أكثر من عشر فعاليات منذ بداية العام وفق تجربته.
يمتد أثر هذه القيود أيضًا إلى خيارات الموسيقيين المهنية، حيث تلمس الموسيقية ومسؤولة العلاقات العامة والتمويل في المعهد إيليني مستكلم هذا الأثر في تجربتها، قائلة"الموسيقيّ المقدسيّ يستطيع الوصول إلى مساحاتٍ أوسع، بينما يواجه موسيقيّون من الضفّة قيودًا تحدّ من أماكن العزف والفِرق التي يمكنهم الانضمام إليها".
وترى مستكلم أن هذه القيود لا تمس الجانب المهني وحده، بل علاقة الفنان بهويته وانتمائه. وتقول: "أنا اخترت أن أكون شخص عنده قضية، بنتمي إلى شعب عنده قضيّة، والفنان لا ينفصل عن موقفه، كإنسان وفلسطيني، فالموسيقى وغيرها من أدوات الثقافة تشكل جزءًا من مشروع الحفاظ على الهُويَّة الفلسطينيّة".
في القدس، لا تبدأ القيود عند لحظة إلغاء العرض، ولا تنتهي عند إغلاق الباب أمام الجمهور. تمتد إلى الطريق المؤدي إلى الفعالية، وإلى قدرة الفنان على الوصول والعمل، ويبقى معها السؤال حاضرًا في كل موعد ثقافي "إيش ممكن يمرّ اليوم وإيش ما بيمرّ؟".