عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 آب 2026

طائرة ورقية.. ومعنى آخر

مريم شومان

في غزة، الطفولة لا تحتاج إلى كثير من الأشياء كي تفرح؛ ورقة وبعض العيدان وخيط طويل وقليل من الهواء وأطفال يركضون، هكذا تولد الطائرة الورقية.

لكن الأشياء لا تبقى دائما على حالها عندما تدخل السياسة، وأحيانا يكفي أن تعبر من السماء إلى الشاشة حتى يتغير معناها بالكامل، وهذا ما يحدث في الطائرات الورقية في غزة.

فما يراه طفل لعبة يمكن أن تراه حكومة الاحتلال امتدادا لتهديد سابق، وما يبدو في صورة عابرة مشهدا من طفولة محاصرة يمكن أن يتحول في التغطية الإعلامية إلى عنوان عن "النشاط المسلح" و"التهديد الأمني".

وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بالطائرة وحدها، إنها مرتبطة بمن يملك حق تفسيرها.

الطائرة الورقية في غزة لا ترتفع فوق سماء محايدة، بل فوق سماء مثقلة بالحرب والذاكرة والخوف، لذلك لم تعد الطائرة الورقية تُرى كما كانت تُرى قبل سنوات.

قبل أعوام دخلت البالونات في سياق الاحتجاجات على حدود غزة، واستُخدم بعضها بطريقة قد تكون تسببت في حرائق لدى الجانب الإسرائيلي، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الذاكرة إلى قاعدة تفسير وحيدة، فالطائرة التي يحملها طفل ليست بالضرورة امتدادا للعمل الذي حمله بالون طائر آخر قبل سنوات، ومع ذلك يكفي أن تظهر في السماء حتى تستدعي كل ما سبقها.

هنا يتغير معناها، ليس في السماء بل في الخطاب.

اللافت في القضية أن الطائرة لم تتغير؛ الذي تغير هو اللغة المحيطة بها. حين تدخل مفردات مثل تهديد وعمل عسكري وطائرة مسيرة إلى وصفها فإننا لا نصف شيئا كما هو، بل نضعه داخل إطار جديد وهو الإطار الأمني.

الطائرة الورقية هي لعبة أطفال، وهي أيضا جزء من الذاكرة الفلسطينية القديمة، ثم أصبحت اليوم موضوعا لخطاب أمني يستند إلى تلك الذاكرة، لكن المشكلة ليست في تعدد المعاني.

المشكلة في أن معنى واحدا قد يطغى على بقية المعاني، ثم يتحول إلى أساس للتعامل مع الواقع كله.

ربما كان يمكن للقصة أن تبقى محدودة لو توقفت عند السماء، لكنها لم تتوقف هناك فقد دخلت الشاشة، وهنا بدأت حياة أخرى للطائرة الورقية.

صورة طفل يمسك خيطا يمكن أن تصبح خلال دقائق مادة سياسية، صورة أخرى يمكن أن تقدمها باعتبارها رمزا للنضال، ومنشور ثالث يضعها داخل خطاب عن التهديد، ثم تأتي التعليقات فتضيف طبقات جديدة من التأويل.

فكل منصة تمنحها سياقا، وكل جمهور يقرأها بطريقة مختلفة، وهذا أحد أكثر جوانب الإعلام الرقمي تأثيرا: الصورة لا تصل إلى الجمهور وحدها، بل تصل محملة بقصة عنها، والقصة قد تكون أقوى من الصورة نفسها.

حين تتكرر الطائرة الورقية بجوار خطاب الخطر يتشكل ارتباط ذهني بينها وبين التهديد، وحين تتكرر بجوار صورة طفل أو مشهد من غزة تصبح رمزا للطفولة المحاصرة، وحين تُستعاد صور البالونات الحارقة تدخل في سردية أخرى تماما.

فالطائرة واحدة، لكن الشاشة تستطيع أن تجعلها ثلاث طائرات مختلفة.

لهذا لا تبدو قضية الطائرات الورقية مجرد قضية أمنية، إنها أيضا قضية سردية. فكل طرف يحاول أن يجيب عن سؤال مختلف: ماذا تعني هذه الطائرة؟

في الخطاب الإسرائيلي تحضر ذريعة ذاكرة الحرائق السابقة، وفي الخطاب الفلسطيني تظهر الطائرة في صورة أخرى؛ طفل في غزة يبحث عن وسيلة بسيطة للعب، في مساحة تضيق فيها خيارات الترفيه والحياة اليومية.

وبين الصورتين تقع مساحة واسعة من الحقيقة، وهذه المساحة هي التي تضيع غالبا على المنصات.

لماذا؟

لأن المنصة تفضل القصة المكتملة، إما لعبة أو سلاح، وإما طفل أو مقاتل، وإما رمز للحرية أو تهديد أمني، لكن الواقع أكثر إزعاجا من هذه الثنائية، فالرموز لا تعمل بهذه الطريقة بل تتغير عندما يتغير السياق.

الطفل الذي يصنع طائرة من ورق لا يكتب بيانا سياسيا، ولا يعرف شيئا عن التصريحات أو الحسابات الانتخابية، إنه يريد أن يراها تطير.

لكن الكبار يلاحقونها بمعان أكبر منه.

وهنا تصبح الطائرة الورقية صورة مؤلمة عن غزة نفسها، حتى الأشياء الصغيرة فيها لا تبقى صغيرة، حتى اللعب يمكن أن يحمل ذاكرة الحرب، وحتى السماء - التي يفترض أن تكون أوسع مكان - تدخل فيها حسابات الخوف.

في الحروب الحديثة لا تجري المعركة على الأرض وحدها، هناك معركة أخرى على الصورة؛ من يلتقطها أولا؟ من يسميها؟ من يضعها في أي سياق؟ ومن ينجح في جعل الجمهور يراها بالطريقة التي يريدها؟

هذه الأسئلة تفسر جزءا من الضجيج حول الطائرات الورقية؛ فالحدث الميداني محدود، لكن الصورة قابلة للانتشار بلا حدود وهنا تكمن قوتها.

الطائرة الورقية لا تحتاج إلى أن تكون سلاحا حتى تصبح ذات أثر سياسي، يكفي أن تتحول إلى صورة تختصر قصة أكبر.

طفل يرفع رأسه، خيط في يده، سماء فوق مدينته المنكوبة، وخلف المشهد تاريخ طويل من الحرب. هذه الصورة تستطيع أن تقول أشياء كثيرة من دون أن تنطق، ولهذا تتنافس الروايات على امتلاكها.

ربما لا تحتاج الطائرة الورقية إلى حكم نهائي، وليست مهمتنا أن نقرر لها معنى واحدا.

الأدق أن نسأل: كيف تغيّر معناها كلما انتقلت من يد إلى أخرى، ومن سماء إلى شاشة؟

في يد الطفل هي لعبة، وفي ذاكرة السنين تحمل تاريخا آخر، وفي الخطاب الأمني تصبح جزءا من سردية التهديد، وفي المنصات الاجتماعية تتحول إلى رمز مفتوح على التأويل، وبالنسبة لي هي موضوع جدير بالكتابة عنه.

ليس لأنها سلاح خطير في غزة، وليست لأنها أبسط لعبة فيها، بل لأنها تكشف شيئا أكبر من حجمها بكثير، لأنها تكشف كيف يمكن لشيء بسيط أن يصبح ساحة لصراع على المعنى.

في النهاية، الورق لا يطير وحده، تطير معه الذاكرة والخوف والسياسة والصورة، والفارق أن الطفل يعرف إلى أين يريد أن تصل طائرته، أما الشاشة فتقرر في كثير من الأحيان إلى أين يريد الآخرون أن تصل قصتها.