خبز ورامبو وجنود
مهيب البرغوثي

بعد أن أنهيت وجبتي المخصصة من الهواء المشبع بدخان الأرجيلة، قررت العودة إلى البيت. كانت الساعة تشير إلى تمام الواحدة بعد منتصف الليل. ولأن بيتي قريب من مقهى العربي في مخيم قدورة، ورام الله كلها تبدو قريبة من ذلك المقهى، ولأن المقهى يقع عند دوار المنارة، والمنارة أبعد من أن تكون منارة؛ فهي رمز لعائلات سكنت المدينة منذ قرن أو يزيد، لم أكن أفكر في الساعة إطلاقا.
كنت أمشي حاملا ربطة خبز وديوان شعر، «زمن القتلة»، بترجمة الشاعر العراقي الجميل سعدي يوسف.
وما إن وصلت إلى الشارع المؤدي إلى البيت حتى فوجئت بمجموعة من الشباب يصرخون ويشتمون بأعلى أصواتهم، ثم دوى صوت رصاص. ولأنني لست مغامرا، ولا كاتبا كبيرا يهوى اختبار الموت كل ليلة، فكرت للحظة أن أعود، لكنني واصلت المسير.
كان الشباب يصرخون خلفي:
«ارجع يا رجل… أنت مجنون! الجيش هناك… بطخوْك»!
لكنني أكملت، لأن العودة كانت أخطر من الوقوف، ولم يكن هناك متسع للتفكير.
وفي منتصف الشارع رأيت، من بعيد، أربع أو خمس سيارات جيب مصفحة، والجنود ينتشرون حول الأولى، يصوبون بنادقهم نحوي، ويصرخون بلغة خشنة، تتخللها شتائم لا تحتاج إلى ترجمة. فهمت أن الطريق أغلق، وأن علي أن أعود.
وقفت في منتصف الشارع، وأخذت أصرخ:
«أنا أسكن هنا… ثلاث دقائق فقط وأصل إلى البيت».
لكنهم لم يريدوا أن يسمعوا.
صرخ أحدهم:
«قف… لا تتحرك».
ثم اقتربوا مني بحذر مبالغ فيه، كأنني أحمل جيشا في جيبي، لا ربطة خبز تحت إبطي. كانوا يلتفون حولي، بينما كان الخوف يملأ عيونهم أكثر مما يملأ عيني.
قال أحدهم، بعربية كاملة الدسم:
«إنت من وين… ووين رايح؟»
ضحكت، رغم أن الضحك في تلك اللحظة كان مجازفة خطرة.
قلت:
«أنا من المريخ يا رجل… من هون»، وأشرت نحو السماء، «وراجع على بيتي. شو؟ صار المشي بالليل ممنوع؟»
نظر إلي طويلا، كأنه يحاول أن يتأكد إن كنت أمزح، أم أن سكان المريخ يتحدثون العربية فعلا. ثم التفت إلى جندي آخر، تحدث معه بالعبرية، قبل أن يعود ويسألني:
«شو معك؟»
رفعت ربطة الخبز في يد، والكتاب في اليد الأخرى، وقلت:
«معي خبز… ورامبو. »
قطب حاجبيه.
«مين هذا؟ البطل الأسطوري؟»
قلت:
«لا… ليس البطل الذي يظهر في أفلام هوليوود. هذا آرثر رامبو، شاعر فرنسي، وكان يؤمن بأن تغيير العالم يبدأ أحيانا بكلمة، لا برصاصة.»
أخذ الكتاب من يدي، وقلب صفحاته كما يقلب رجل أمن جواز سفر مشبوها. نظر إلى الكلمات العربية المصفوفة أمامه، ثم أعاده إلي بسرعة، كأن الشعر مادة قابلة للانفجار.
قال:
«ما فهمت. »
قلت:
«ولا أنا. منذ ساعة وأنا أحاول أن أفهم كيف يمكن لربطة خبز وديوان شعر أن يستدعيا خمس سيارات عسكرية. »
ساد صمت قصير.
ثم أشار إلي بيده أن أمض.
أغمضت عيني ومشيت ببطء. كنت أشعر بعشرات البنادق تراقب ظهري. وفي لحظة تخيلت أن رأسي ملقى على الشارع أمامي، وأن دمي يلطخ الخبز وديوان «زمن القتلة». كنت أفكر أن الإنسان قد ينجو أحيانا لأن الجندي لا يحب قراءة الشعر، أو لا يعرفها، أو لأنه لا يعرف الفرق بين رامبو الشاعر ورامبو الذي يحمل الرشاش.
وصلت إلى باب البيت بعد ثلاث دقائق.
وضعت الخبز على الطاولة، أما ديوان «زمن القتلة» فتركته مفتوحا على الصفحة التي توقفت عندها قبل مغادرة المقهى.
ضحكت وحدي.
في الخارج، كانت البنادق ما تزال تسهر.
وفي الداخل، كان شاعر ميت منذ أكثر من قرن ينتظر أن أكمل القراءة.
أدركت، للمرة الأولى، أن الجنود لم يكونوا يحاصرون الشارع.
كانوا يحاصرون عنوان الكتاب
مواضيع ذات صلة
خبز ورامبو وجنود
في تكريم الروائي هاشم غرايبة في مختبر السرد الاردني
المسافة بين الشعر والقارئ: إشكالية المعنى والتلقي
ياسمين شملاوي.. الفتاة التي جاءت بـ "خبز بارد"
"أسماء في الذاكرة" لمحمود شقير.. حين تتحول الأسماء إلى سيرة وطن
"الاوديسة"... ما بين ظاهرة "نولان"... ونموذج "ماسك"
جبرا ابراهيم جبرا.. الترجمة حين تكون أفقا للمعرفة