"أسماء في الذاكرة" لمحمود شقير.. حين تتحول الأسماء إلى سيرة وطن
مهيب برغوثي

لا يكتب محمود شقير في كتابه "أسماء في الذاكرة" الصادر حديثا عن دار التنوير ليس مجرد بورتريهات لأشخاص مروا في حياته، بل استطاع محمد شقير أن يعيد بناء ذاكرة فلسطينية كاملة من خلال وجوه تركت أثرها في الثقافة والسياسة والحياة اليومية. فالكتاب لا يحتفي بالأسماء بوصفها شخصيات منفصلة، وإنما يجعل منها علامات على زمن كامل من في تاريخ الشعب الفلسطيني بجميع اطيافه ، حيث تتداخل السيرة الشخصية مع التاريخ العام، ويصبح الإنسان عنوانا للمكان وللتحولات التي عاشها المجتمع الفلسطيني.
يمتلك شقيربشكل عام وفي هذا الكتاب بشكل خاص قدرة لافتة على استحضار التفاصيل الصغيرة التي تمنح الشخصية نبضها الإنساني. فهو لا يكتفي بتسجيل الإنجازات أو الوقائع، بل يلتقط التفاصيل الصغيرة والدقيقة لحكايات وقصص مرت معه او من امامه ، والنكتة، والصمت، وطريقة الحديث، والملامح التي قد تبدو هامشية، لكنها تكشف جوهر الإنسان أكثر مما تكشفه السيرة الشخصية . لذلك يخرج القارئ من الكتاب وهو يشعر أنه تعرف إلى أشخاص حقيقيين، لا إلى أسماء جامدة في سجل الذاكرة.
اللغة التي يعتمدها شقير لغة هادئة وخالية من الادعاء، لكنها مشبعة بالدفء والحنين. فهو يكتب بعين الروائي الذي يعرف كيف يبني المشهد، وبحس القاص الذي يختصر الكثير في جملة واحدة. هذه البساطة ليست ضعفا، بل هي اختيار جمالي يجعل النص قريبا من القارئ، ويمنحه صدقية نابعة من الابتعاد عن المبالغة والخطابة.
ومن أبرز ما يميز الكتاب أنه لا يسقط في تمجيد الشخصيات أو تحويلها إلى أيقونات معصومة. بل يقدمها بما لها وما عليها، بما تحمل من نجاحات وإخفاقات، فتبدو أكثر إنسانية وأكثر قدرة على تمثيل واقعها. وهنا تتجلى خبرة محمود شقير الطويلة في فهم النفس البشرية، وفي إدراك أن الذاكرة الحقيقية لا تحفظ الأمجاد فقط، بل تحفظ أيضا الهشاشة والضعف والتناقض.
يقدم "أسماء في الذاكرة" خدمة ثقافية مهمة للأجيال الجديدة، إذ يوثق جانبا من المشهد الثقافي والاجتماعي الفلسطيني بعيدا عن اللغة الأكاديمية الجافة. إنه كتاب يحفظ الوجوه من النسيان، ويعيد الاعتبار للأفراد الذين ساهموا، كل بطريقته، في تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني.
لا يمكن قراءة هذا الكتاب بوصفه مجموعة من الذكريات فحسب، بل باعتباره وثيقة أدبية وإنسانية تؤكد أن الأوطان لا تحفظها الأحداث الكبرى وحدها، وإنما تحفظها أيضا وجوه الناس، وأصواتهم، وحكاياتهم الصغيرة التي تتحول مع الزمن إلى ذاكرة لا تقل أهمية عن التاريخ نفسه.
مواضيع ذات صلة
"أسماء في الذاكرة" لمحمود شقير.. حين تتحول الأسماء إلى سيرة وطن
"الاوديسة"... ما بين ظاهرة "نولان"... ونموذج "ماسك"
جبرا ابراهيم جبرا.. الترجمة حين تكون أفقا للمعرفة
حين تترك الذاكرة آثارها على الرمال.. سعيد مضية سيرة وتاريخ "خطوات غمرتها الرمال"
معرض فني تركي في متحف درويش
ترميم منزل بدر شاكر السياب في قرية جيكور ينقذه من الإهمال
13 رواية من 7 دول.. جائزة بوكر الدولية تعلن قائمتها الطويلة لعام 2026