عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 15 آب 2026

في تكريم الروائي هاشم غرايبة في مختبر السرد الاردني

سميحة خريس

هي لحظة يصعب التعامل معها، إذ لم يكن وجود هاشم غرايبة الإنساني منعزلا عن وجوده كمبدع.

ونحن نقف أمام البنيان الشاهق الذي أعلاه في مجال الرواية، نعرف أننا أمام قامة عالية، مختلفة، وأنا من موقع القارئ والمريد، أزعم أن انجاز هاشم غرايبة لم يخضع بعد إلى النظر بتمعن، ولم تكتشف كل كنوزه المخبوءة، تلك مهمة النقاد، لكنها أيضا كانت مهمتنا، على مدى عقود ونحن نتابع تلك التجربة الفريدة، تنمو وتتخذ أشكالا عميقة، وتصلنا، وتصل بنا إلى حالات من المتعة، التي هي شرط أساسي للأدب المتقدم.

 مثل غرايبة واحدا من جيل عملاق أضاف الكثير، وبات من الصعب تجاوزه، إذ يمثل ما كتبه تحديا حقيقيا لكل كاتب اليوم.

 لكني وفي سياق الحديث عن هاشم إنسانا، ستحيطني ذكريات تلك الصداقة الطيبة التي جمعتني به، منذ أن قرأته في غربتي، إلى أن عدت إلى الأردن لأكون واحدة من عصابة طريفة فريدة في نوعها، ضمت مؤنس الرزاز وسعود قبيلات، ويوسف الحسبان، وهاشم.

في تلك المرحلة بدأت أدواتي تنضج، كونها تتعاطى في نقاش مستمر، وحوار معرفي لا ينقطع، مع مثقفين ومبدعين مختلفين، لا أتذكر أنني في تلك المرحلة كتبت نصا دون أن نتداوله، على الخصوص أنا وهاشم، كان مصدر الهام وتقويم، وحض وتشجيع، وكان ناقدا وفيا للصدق، وصديقا متفهما لشطحات الابداع.

على الجانب الإنساني، أظن أنني عرفت الصداقة الحقيقية مع غرايبة، إذ إن الحياة تلوح بنا في كل مطرح، ولكننا ندرك بوصلتنا تجاه هذه الصداقة الدافئة، وقد تابعته وهو صاحب طيف عريض للغاية من الأصدقاء، سواء في الوسط الثقافي، أو بين السياسيين الذين شاركوه تجربة الصمود والسجن، أو في بيئته القروية الجميلة، من أناس بسطاء أنقياء، اعتبرهم هاشم أصدقاءه.

هذا التنوع الغريب في اختيار أصدقاء متناقضين أحيانا، يشي برحابة الروح والفكر التي تمتع بها "أبو مصطفى"، ومع كل هؤلاء كان شديد الوضوح،  يعارضهم إذا اختلفت الأفكار، ويسامرهم إذا كان السهر، ويضع يده في أيديهم إذا مضوا إلى غاية، لقد تمكن بقدرة غريبة على جمع المتناقضات، وأظن أنني منه ومن مؤنس الرزاز حاولت أن أتحلى بتلك الخصلة الإنسانية، التي تعكس نضجا فكريا وإنسانيا.

مع ذلك، فهاشم لا يهادن، تراه نزقا أمام الرداءة والسفاهة، غير قادر على مداراة اعتراضه، وأظنه في الحياة يتعامل بتلك الجدية التي تعلمها من حياته الحزبية، حين وقف وهو شاب صغير، رافضا أن يهادن، وترك عشرة أعوام من عمره تمضي وراء القضبان، دون أسف، فقط؛ لأنه متمسك بموقفه الفكري، ولكن الحديث عن تلك الحقبة بالذات، سيقودني إلى أفضل ما حدث فيها، وهي الفرصة الذهبية لهاشم أن تكون الكتب رفيقة حياته الرتيبة، هناك صنع بدايات الطريق نحو الأدب، كان يكتب المسرحيات ويقدمها لزملائه المساجين، وكان ينهل من القراءة زادا كثيرا، حماه من الجوع المعرفي والنفسي. كما مكنته تلك السنوات من الاتساع، فإذا كان يرى نفسه على حق، إلا أنه منفتح تجاه الآخرين، لا يصادر حقك في الاختلاف، فهو كفلاح يدرك أهمية تنوع المحاصيل في البستان.

الأهم؛ أن هاشم غرايبة واحد من قلائل، لم يتاجروا بذلك النضال، على مدى عقود معرفتي به، لم يتبجح، أو يدعي، أو يفخر، كان يظن ما حدث مجرد حدث طارئ عادي، وكنت أرى المتاجرة النضالية تستشري في الساحة، أما هو؛ فحين كتب عن سنوات السجن، فإنه لم يتحدث عن نفسه باعتباره ذلك المناضل، لكنه كتب عن الحب حينا، وعن أصدقاء الزنزانة الذين علموه الطيران، وقد سمعت شهادة سجانه فيه، فبهرتني تلك المحبة الواسعة له، حتى مع المختلفين عنه، في ظني أن ما كتبه غرايبة؛ يكاد يكون نموذجا فريدا لأدب السجون، لأنه أدب تصالح فيه صاحبه مع الدنيا، وسمح لنفسه برؤية مواطن الجمال في الحياة، في أكثر الأماكن ظلمة.

لم يخرج من الزنزانة غاضبا أو حاقدا، لكنه انصرف إلى البحث عن مواطن الجمال في التراث، أو في المدينة أو في الريف، لتكون رواياته سجلا لإنسان منتم، ظل يحمل موطنه في قلبه وعقله، وها هو الوطن اليوم يحتفي به.

هذا هو هاشم الانسان المحب للحياة، يصعب على المتعامل معه، رؤية تلك المرونة على وجهه القروي الصارم، ولكن ما أن تقترب منه، حتى ينكشف الفلاح الشغوف بالأرض، وبالقمر وبالجمال، واللحن.

 ولأن رحلتنا طويلة، فقد مررنا بفترات رأيت فيها الكاتب يسعى إلى نيل الاعتراف بابداعه، ولكني أيضا رأيت مرحلة لاحقة، بدت فيها لا مبالاة بالاعتراف، إنه يكتب للفن، للجمال، يكتب لأن الكتابة تلح عليه، أما العالم المحيط، فله أن يقرأ أو لا يقرأ، ذلك لم يعد معيارا أولويا لدى الكاتب، وأظن هذه الحالة لا تتعلق فقط ببوصلة العلاقة بينه وبين جمهور القراء، لكنها أيضا، تبلور نظرته إلى الحياة، فقد بدأ ومنذ سنوات، ناسك صغير ينمو في اهاب الكاتب الكبير.

ستراه يخسر أحيانا دون أن يشعر بالخسارة، أو يربح دون زهو، مكتف بنضجه الإنساني والفكري المريح.

يبدو منعزلا بعض الشيء، إلا أن له مجاله الحيوي الذي يكبر بما يضيفه من لمسات، ليست نشاطاته في مكتبة اربد بعيدة عن انسانيته، لقد تفكر كثيرا في جيل من الشباب، لا يتمتعون بمنابر ومساحات ثقافية في اربد كما عمان المركز، واستطاع بجهد هادئ ودون ضوضاء، أن يخلق لهم حالة من التفاعل الثقافي المثمر، عبر جلسات القراءة وورش الكتابة، والندوات التي احتضنتها مكتبة جامعة اليرموك.

وأظنه في تلك المرحلة بالتحديد، كلف نفسه بمهمة رسمية، وهي رعاية الشباب المقبلين إلى الساحة الثقافية، وجدوا فيه المرجع، والمرجعية، ساعدهم في انتقاء قراءاتهم، وتفحص نصوصهم، أخرجهم من عزلة خجلة إلى ثبات في الخطوات الأولى، وايمان بقدراتهم الخفية، وفوق هذا كله، تمكن أن يكون لهم أبا، وتلك خصلة صعبة ومعقدة للكاتب، فالكاتب عادة ما يكون صديقا لصديقه، ملهما لمن يأتي بعده، استاذا ونموذجا يقتدى، لكن مسألة الابوة الشخصية في التعامل مع جيل الشباب، أمر نادر وفريد، وقد حققها هاشم غرايبة مع الكثيرين.

عن نفسي أقول، لقد جمعتني الصداقة بكثر، وأنا بطبعي أحاول الوفاء ما استطعت، لكن عدد من يعدون على أصابع اليد، يفصح عن تغول الحياة من حولنا، لهذا؛ أعتز دائما بالصديق، والأخ، ورفيق الدرب الإبداعي، هاشم غرايبة، وأشعر أن تكريمه في هذه الدورة الاستثنائية، يعني الكثير لجيلنا، إنه تكريم لرحلة صعبة، ممتعة وعميقة، لجيل من الكتاب الأردنيين، الذين خطوا أسماءهم على خريطة الابداع العربي. وفي مقدمتهم عزيزنا هاشم غرايبة أطال الله في عمره، وأتحفنا بالمزيد من ابداعه.