عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 10 آب 2026

ياسمين شملاوي.. الفتاة التي جاءت بـ "خبز بارد"

نابلس- الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في حديقة مكتبة بلدية نابلس، كان المساء يهبط ببطء معتاد، كأن السماء نفسها تتأنى قبل أن تترك المدينة أمانة في عنق الليل.

الأشجار واقفة في أماكنها منذ زمن، تعرف أن الكتب لا تأتي إلى الحديقة مصادفة، وأن بعض الكلمات، حين تقال تحت شجرة، تجد طريقها إلى القلب أسرع مما تفعل في القاعات المغلقة.

كانت المقاعد تتسع للوجوه القادمة من أماكن مختلفة، فيما كانت نابلس، خلف أسوار الحديقة، تواصل حياتها المعتادة، سيارات تعبر، أبواب تغلق، أصوات تتداخل، وباعة يطوون يوما آخر من أيام المدينة.

لكن شيئا كان يحدث هنا، ياسمين شملاوي تتهيأ لإشهار مجموعتها القصصية الأولى "خبز بارد.. حين أكلت نابلس من رغيف طفلة  كبرت. حضور وأشجار وكتب الكل يصغي هذه المرة إلى وقع الكلمات.

وفي طرف الحديقة، بعيدا قليلا عن المنصة، كان هناك مشهد آخر لا يحتاج إلى ميكروفون.

غسان شملاوي، والد ياسمين، كان متكئا على جذع شجرة، وكأن الشجرة التي شهدت ولادة الأمسية قررت أن تمنحه شيئا من ظلها، أو كأن الأب، بعد كل تلك السنوات التي حمل فيها حلم ابنته، وجد أخيرا مكانا يسند إليه ظهره بينما يرى الحلم واقفا أمامه على هيئة فتاة تحمل كتابا.

وفي الجهة المقابلة كانت أمها، لم تكن تصفق كثيرا، ولم تكن بحاجة إلى ذلك، كانت تنظر إلى ياسمين فقط.

تلك النظرة التي لا يعرفها إلا الآباء والأمهات فتختصر الطريق كله، من أول خطوة صغيرة تعثرت بها الطفلة، إلى أول حرف كتبته، إلى كل مرة نامت فيها وهي تخبئ حلما تحت وسادتها، إلى هذه اللحظة التي صار فيها الحلم كتابا، وصار الكتاب أمام الناس، وصارت الطفلة التي كانت تخاف عليها من خدش في يدها تقف الآن أمام مدينة كاملة وقلبها مكشوف.

كان الأب ينظر من بعيد، والأم كذلك، وبين النظرتين كانت ياسمين.

كأنها لم تكن تقف وحدها على المنصة، بل كانت تقف فوق سنوات عمرها كلها، وأمامها أب يخبئ فخره في صمته، وأم تترك للحب أن يتكلم بعينيها.

لم يكن أجمل ما في المشهد أن الأب والأم ينظران إلى ابنتهما، بل أن ياسمين، وسط كل تلك الوجوه والكلمات، كانت تعرف دون أن تلتفت أن أجمل عينيْن في الحديقة كانتا عيني أبيها وأمها.

هناك، في المسافة الصغيرة بينهما وبين المنصة، كان الوطن الحقيقي جالسا، ليس في الخطب، ولا في المقاعد الرسمية، بل في أب يتكئ على شجرة كي لا يخفي فخره

يا لغرابة العنوان حين تقوله في مدينة تعرف جيدا أن الخبز ليس طعاما فقط، كلام أثنى عليه عضوا اللجنة المركزية لحركة فتح محمود العالول ودلال سلامة ومحافظ نابلس غسان دغلس على إبداع الكاتبة وصدق مشاعرها.. ليجمعوا أن الكتاب في فلسطين ليس ترفا، فالبلد الذي يطلب منه كل صباح أن يثبت أنه موجود، يحتاج إلى شاعر يثبت وجوده بالكلمة، وإلى روائي يحرس ذاكرته بالحكاية، وإلى من كانت طفلة تقول للعالم  "أنا هنا، وما زلت أملك خيالا يكفي لأن أبني به وطنا".

الحضور مثل ياسمين يعرفون أن الخبز في بلادنا ذاكرة أم، ودفء بيت، ويد عجوز، وطفل ينتظر عودته من المدرسة، ورائحة صباح لا يعرف الفقر كيف يمنعها من الوصول إلى القلب. والخبز حين يبرد لا يفقد اسمه، لكنه يفقد شيئا من حرارة اليد التي خبزته، ولعل هذا هو الكتاب كله، محاولة للبحث عن الحرارة التي فقدناها.

وفي لحظة كهذه، يصبح إشهار الكتاب أكثر من مناسبة ثقافية، يصبح إعلانا صغيرا وعنيدا، بأن الفلسطيني لا يريد أن يترك للرصاصة حق كتابة سيرته.

وحين جاء دور الحديث عن الكتاب، كان الدكتور رياض كامل الذي جاء خصيصا من الناصرة قد سبق الجميع إلى داخل النص.

كتب عنه قبل أن تفتح ياسمين صفحاته أمام جمهورها، وفي حديثه عن "خبز بارد" لا يرى كامل مجموعة قصصية تكرر المألوف من السرد الفلسطيني، بل يرى محاولة للذهاب إلى مكان آخر، إلى الإنسان الذي تغير، والذي لم يعد ألمه دائما خيمة أو حقلا أو مصنعا إنه إنسان التكنولوجيا، والقلق، والتيه، والفقد، والصدمة.

إنسان يمكن أن يكون واقفا بين الناس، بينما تحدث الكارثة كلها في داخله.

وهنا تكمن جرأة ياسمين، حسب قوله حينما  نقلت المأساة من الشارع إلى الروح ومن الحائط الذي تهدم إلى الإنسان الذي تهدم داخله.

يرى رياض كامل أن الشخصيات في المجموعة لا تقف بوصفها أسماء فقط بل هي أبواب تفتح إلى تجارب إنسانية أوسع، وأن ياسمين، في كثير من قصصها، لا تهتم بالزمن الخارجي بقدر اهتمامها بالزمن الذي يجري داخل الذاكرة، داخل ذلك المكان الغامض الذي لا يستطيع أحد أن يصل إليه إلا إذا كتب.

تآلفت في صناعة هذه اللحظة أيدي مركز يافا الثقافي، ومركز شاهد، ومكتبة بلدية نابلس، ثلاث جهات اجتمعت لا لتقيم احتفالا بكتاب فحسب، بل لتمنح الكتاب مكانا يليق بولادته.