التحرك العاجل... الحاجز والحكاية
كلمة الحياة الجديدة

تشبه تراجيديا الطريق إلى أريحا، من أجل العبور إلى الأردن الشقيق، تراجيديا الملاحم الإغريقيّة، لتعدد مصاعبها، وتنوع أهوالها، هذه التي لم تبق أي منافذ سالكة تماما للمدينة، لكي تذهب منها إلى جسر العبور، لتصل بعدها إلى باحة الأمان والراحة الأردنية.
الاحتلال الإسرائيلي لم يدع طريقا واحدة، لم يضع فيها حاجزا عسكريا، مدججا بالسلاح، والأخطر مدجج بالكراهية، والغطرسة، مهمته تعطيل التنقل الطبيعي للفلسطينيين، وعرقلة سيرهم في شوارع بلادهم، سيرهم نحو حياتهم اليومية، نحو أعمالهم، ومزارعهم، ومدارسهم، وحتى نحو مشافيهم؛ لعلاج، أو لولادة، فقد ولدت سيدة داخل عربة الإسعاف، بعد أن أوقفها الحاجز الاحتلالي، ولم يفتح لها الطريق، وثمة سيدة فقدت جنينها، استشهد عند الحاجز، بعد أن منع جنود الاحتلال، مرور العربة التي تقلها للذهاب بها إلى المشفى…!!!
هناك أمام كل حاجز، صف طويل من المركبات، ينتظر أصحابها إشارة جندي متمترس خلف كتل إسمنتية، كي يتحرك، والإشارة لا تأتي مباشرة بل لا بد أن تمضي دقائق أشبه بالساعات، حتى تأتي الإشارة، بل الانتظار يطول لأكثر من ساعة كي تمضي ثلاث أو اربع مركبات فقط، من بين عشرات المركبات المنتظرة، تحت شمس لاهبة، والأثقل، والمرهق أكثر، تحت وطأة ضجر، وقلق، وحنق…!!!
وهناك عدا الحواجز، البوابات الحديدية، التي يغلق بها الاحتلال قرى كثيرة في الضفة المحتلة، ليخنق كل حراك منها وإليها، ليس ثمة ذرائع تقنية، ولا حتى أمنية أبدا في هذه الإجراءات التعسفية، إنها فقط لإعلان سطوة الاحتلال، وهيمنته، وكراهيته للحياة بحد ذاتها، وهو يجعلها حافلة بالدروب الشائكة، والبوابات العنصرية، في الوقت ذاته يطلق الاحتلال العنان لميليشياته من المستوطنين المسلحين، يطلقون الرصاص على الناس العزل كيفما اتفق، يعتدون على المزارعين، يسرقون أغنام الرعاة، بل ويقتحمون القرى، ويحرقون البيوت، ويقتلعون أشجار الزيتون، وداليات العنب، ودائما برعاية جنود الاحتلال، وحمايتهم…!!!
العالم حتى اللحظة لا يبدو غير مراقب لكل ذلك، لكنه وللأمانة مراقب بات ممتعضا من سياسات الاحتلال التعسفية، وجرائم المستوطنين، وعلى نحو معلن، بوضوح صريح، الثلاثاء الماضي، عقد مجلس الأمن الدولي، جلسة بشأن القضية الفلسطينية، بطلب من الدول الاوربية الخمس الأعضاء في المجلس، وفي هذه الجلسة حذر مسؤولان أمميان -"راميز الأكباروف" المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، والمنسق المقيم، ومنسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، و"حنان سليمان" نائبة المديرة التنفيذية لليونيسف- حذرا في إحاطة شاملة عن الوضع في الضفة الفلسطينية المحتلة، بأن هذا الوضع قد بلغ منعطفا خطيرا، وأنه يجب التعامل معه، باعتباره حالة طوارئ، تتطلب تحركا عاجلا .
منذ سنوات وفلسطين تطالب بالتحرك العاجل، بل وبالحماية الدولية، لكن لأن التحرك العاجل لم يتحقق، والحماية الدولية لم تأت، تمادى الاحتلال الإسرائيلي في سياساته التعسفية العنيفة، ومثلما قال المنسق "الأكباروف" في تلك الاحاطة فإن التدهور الحاصل في الضفة المحتلة "لم يحدث بصورة مفاجئة، بل جاء نتيجة عقود من الصراع الذي لم تتم تسويته، الذي أدى إلى تعميق الاحتلال الإسرائيلي". وضع "الأكباروف" بهذا القول الدقيق، الإصبع على الجرح: غياب التسوية للصراع، مكن الاحتلال الإسرائيلي من التمادي، بل والتوحش في سياساته التعسفية، وهو ما خلف، وما زال يخلف لفلسطين وشعبها، المزيد من المعاناة التي باتت تسيل بالدم ليلا ونهارا، وعلى نحو لم يسبق له مثيل، ذلك لأن التحرك الدولي العاجل، وفق المجاز الواقعي، واقف هو الآخر في صف تلك المركبات، التي يتركها الحاجز العسكري الإسرائيلي، في لجة الانتظار المقيت...!!!
لا تدافع إسرائيل عن أمنها، أو حقها في الوجود، في كل هذه السياسات، وإنما عن غاياتها العنصرية التوسعية، وعن شهوتها المفرطة، بالسطوة، والهيمنة المطلقة، لا على فلسطين، والفلسطينيين فحسب، وإنما كذلك على الشرق الأوسط برمته، كدولة عظمى…!!!
العالم حينها إذا ما تم لإسرائيل ذلك، لن يكون بأمان، واستقرار، والسلام سيكون حلما في ليال كسيرة…!! لا حل في هذا الشرق، بل وفي هذا العالم، للخلاص من هذه الحال المعتمة، سوى الحل الذي يؤمن لفلسطين دولتها الحرة السيدة، بعاصمتها القدس الشرقية، إنه حل فلسطين، الذي يحقق الدخول الآمن لطرق الحياة، وازدهارها، بالسير الحر فيها، بلا أي نوع من أنواع الحواجز، ولا أي نوع من أنواع بوابات الإغلاق العنصرية، هذه التي قد لا تنفع عمليات التدوير باصلاح أخلاقيات حديدها البغيضة...!!
رئيس التحرير