عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 29 تموز 2026

وزير المالية: صرف 50% من الرواتب حتى نهاية العام و"يبوس" ليس بديلا عنها والحكومة لن تلجأ إلى فرض ضرائب جديدة

خلال إحاطة صحفية في مقر رئاسة الوزراء برام الله

"تصوير: عصام الريماوي"

* الحكومة تعتمد خطة صمود مالي لمواجهة أخطر أزمة منذ تأسيس السلطة.. وشبكة الأمان العربيةنتائجها محدودة

* ستة مليارات دولار محتجزة وإسرائيل تمضي نحو "تصفير المقاصة".. وقطع العلاقة البنكية تجاوز للخطوط الحمراء

* الكتلة النقدية المتداولة في السوق الفلسطيني تتوزع بواقع 53% بالشيقل و33% بالدولار و12% بالدينار الأردني.. والتحول إلى الدفع الإلكتروني ضرورة للأمن الاقتصادي

* أزمة المحروقات في طريقها للحلحلة.. هناك عمليات تهريب والحل في الشركة الوطنية

رام الله– الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- رسم وزير المالية اصطيفان سلامة صورة قاتمة للواقع المالي والاقتصادي الفلسطيني، مؤكداً أن الحكومة تواجه أخطر أزمة مالية منذ تأسيس السلطة الوطنية، في ظل استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، واتساع الإجراءات الاقتصادية الإسرائيلية التي تستهدف، تقويض مقومات الاقتصاد الفلسطيني وتعطيل قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية.

وأكد الوزير أن التهديدات الإسرائيلية بقطع العلاقة البنكية مع الفلسطينيين تشكل تجاوزا لكل الخطوط الحمراء، محذرا من أن مثل هذه الخطوة ستؤثر في قدرة المواطنين على الحصول على الخدمات الأساسية، وتأتي في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف تدمير الاقتصاد الفلسطيني ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وفي إجابات على أسئلة "الحياة الجديدة"، إلى جانب تصريحاته خلال مؤتمر صحفي عقده اليوم الأربعاء في مقر رئاسة الوزراء بمدينة رام الله، كشف سلامة أن الحكومة باتت تتعامل مع فرضية أن أموال المقاصة لم تعد مورداً مالياً مضموناً، في وقت تتجه فيه إسرائيل نحو "تصفير المقاصة"، فيما وصلت الأموال الفلسطينية المحتجزة لديها إلى ما يقارب ستة مليارات دولار، الأمر الذي فرض على الحكومة إعادة صياغة أولوياتها المالية والبحث عن أدوات جديدة لضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة.

 

المقاصة لم تعد خياراً آمناً

ورداً على سؤال "الحياة الجديدة" حول ما إذا كانت الحكومة وصلت إلى قناعة بأن الاعتماد على أموال المقاصة لم يعد خياراً آمناً، قال سلامة إن التطورات الأخيرة تؤكد هذا الواقع، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على بناء بدائل تدريجية تعتمد على تعزيز الإيرادات المحلية، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي الذي وصفه بأنه بات موجوداً في مختلف القطاعات.

وأكد أن دفع الضرائب لم يعد مجرد التزام مالي، بل أصبح "واجباً وطنياً وقانونياً وأخلاقياً"، في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها شعبنا، مشدداً على أن الحكومة لن تلجأ إلى فرض ضرائب جديدة، وإنما ستعمل على تحصيل الضرائب المستحقة وفق القانون وتعزيز كفاءة الجباية.

وأضاف أن إسرائيل لا تكتفي باحتجاز أموال المقاصة، بل تمضي نحو تصفيرها بالكامل، في وقت تواصل فيه الحكومة الفلسطينية اتصالاتها مع شركائها الدوليين للإفراج عن الأموال المحتجزة، إلا أن المبادرات المطروحة حتى الآن لا ترقى إلى مستوى معالجة الأزمة بصورة جذرية.

 

شبكة الأمان العربية.. تأثير محدود

وفيما يتعلق بجهود توفير شبكة أمان مالية عربية ودولية، أوضح سلامة، رداً على سؤال "الحياة الجديدة"، أن الحكومة تواصل اتصالاتها المكثفة مع الأشقاء العرب والمؤسسات المالية الدولية، إلا أن النتائج ما زالت أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وقال إن هناك تفاؤلاً بإمكانية تحسن الوضع قبل نهاية العام الجاري، لكنه أكد أن ذلك يتطلب جهوداً سياسية ودبلوماسية استثنائية، في ظل حجم الضغوط التي تواجهها المالية الفلسطينية.

وعن مستقبل رواتب الموظفين، أكد وزير المالية أن الحكومة ستواصل صرف 50% من الراتب حتى نهاية العام الجاري، موضحاً أن توفير هذه النسبة يحتاج إلى نحو 650 مليون شيقل شهرياً.

وقال إن الحكومة لا ترغب إطلاقاً في العودة إلى تجربة صرف مبلغ ألفي شيقل التي وصفها بأنها كانت "صادمة" للموظفين، مؤكداً أن الحفاظ على نسبة الـ50% يمثل الحد الأقصى الممكن في ظل الظروف الحالية.

وأوضح أن الحكومة تعتمد على أربعة مصادر رئيسية لتوفير الرواتب، تشمل الاقتراض، والمساعدات الخارجية، والإيرادات المحلية، وتحسين إدارة المال العام، لافتاً إلى أن الاقتراض من البنوك وصل عملياً إلى سقفه الأعلى، الأمر الذي يجعل هامش المناورة المالي محدوداً للغاية.

وأضاف أن الحكومة تدرك حجم المعاناة التي يعيشها الموظفون، لكنها تحاول المحافظة على الحد الأدنى من انتظام الرواتب والخدمات العامة في ظل الإمكانات المتاحة.

 

وصلنا إلى نهاية المطاف مع إسرائيل

ووصف سلامة العلاقة المالية مع إسرائيل بأنها وصلت إلى "نهاية المطاف"، محذراً من أن أي تنفيذ فعلي لقرار قطع العلاقة البنكية بين المصارف الفلسطينية والإسرائيلية سيشكل تحولاً بالغ الخطورة.

وقال إن مثل هذه الخطوة ستنعكس مباشرة على قدرة الفلسطينيين في الحصول على الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والمحروقات، وستزيد من تعقيد الحياة اليومية للمواطنين.

وأضاف أن الإجراءات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على احتجاز أموال المقاصة، بل تشمل تضييقاً اقتصادياً واسعاً، وإجراءات على المعابر، وقيوداً على حركة الأموال والبضائع، إلى جانب استمرار الحرب على قطاع غزة وتصاعد اعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية في الضفة الغربية، بما يجعل الاقتصاد الفلسطيني يعمل في ظروف استثنائية وغير مسبوقة.

وأكد أن الحكومة شكلت لجنة عليا لمتابعة ملف العلاقة البنكية، في ضوء التهديدات الإسرائيلية، والاستعداد للتعامل مع أي سيناريو محتمل خلال الأشهر المقبلة.

 

الدفع الإلكتروني.. خيار اقتصادي وأمني

وفي معرض حديثه عن أزمة السيولة، قال سلامة إن فائض الشيقل في السوق الفلسطينية أصبح يمثل تحدياً استراتيجياً، بعد رفض إسرائيل استقبال الكميات المتراكمة لدى البنوك الفلسطينية.

وأوضح أن الحكومة وسلطة النقد تعملان على تسريع التحول نحو وسائل الدفع الإلكتروني، وتقليل الاعتماد على النقد، مع التوسع في استخدام العملات الأخرى المعتمدة قانونياً، باعتبار أن هذا التحول أصبح جزءاً من حماية الأمن الاقتصادي الفلسطيني.

وأشار إلى أن السوق الفلسطينية تمتلك بنية تحتية تؤهلها لهذا التحول، في ظل وجود نحو 1.8 مليون بطاقة مصرفية، مؤكداً أن الحكومة تشجع المواطنين على استخدام وسائل الدفع الإلكتروني بصورة أوسع خلال المرحلة المقبلة.

وأوضح أن الكتلة النقدية المتداولة في السوق الفلسطيني تتوزع بواقع 53% بالشيقل، و33% بالدولار، و12% بالدينار الأردني، مشيرا إلى أن السوق الفلسطيني يمتلك بنية تحتية مؤهلة لهذا التحول، مع وجود نحو مليون و800 ألف بطاقة مصرفية.

وأضاف أنه في حال استمرار إسرائيل في عرقلة استخدام الشيقل، فإن التوجه سيكون نحو زيادة استخدام عملات أخرى، لافتا إلى أن سلطة النقد الفلسطينية تتابع هذا الملف بشكل يومي بالتنسيق مع الحكومة والشركاء الدوليين.

وفيما يتعلق بتطبيق "يبوس"، أوضح سلامة أن التطبيق يمثل إضافة إلى نسبة الـ50% التي تدفعها الحكومة من الراتب، وليس بديلا عنها، مؤكدا أنه لا يفرض أي رسوم أو ضرائب، ولا يمس المستحقات المالية للموظفين.

وقال: إن الاشتراك في التطبيق اختياري، ويتطلب موافقة الموظف على الخصم من مستحقاته، مضيفا أن جميع الموظفين، بمن فيهم المتقاعدون، سيجري إدراجهم في التطبيق، مع العمل على توسيع سلة الخدمات المقدمة عبره بالتعاون مع البلديات وعدد من المؤسسات.

 

أزمة المحروقات.. انفراج مرتقب

وفي ملف المحروقات، أكد سلامة أن الحكومة تمكنت من معالجة جانب كبير من أزمة السيولة المرتبطة بهذا القطاع، فيما تتركز الجهود حالياً على زيادة كميات التوريد وضمان وصول الصهاريج إلى السوق الفلسطينية.

وأوضح أن المشكلة الأساسية تتمثل حالياً في عمليات النقل، بعدما جرى تقليص عدد الصهاريج المتاحة لنقل المحروقات، إضافة إلى التعقيدات الأمنية المرتبطة بمرورها، معرباً عن توقعه أن تبدأ الأزمة بالانفراج مطلع الأسبوع المقبل، وأن تتراجع الطوابير أمام محطات الوقود تدريجياً.

ولفت إلى وجود تحديات أخرى مرتبطة بعمليات النقل، مبينا أن المعلومات المتوفرة لدى الوزارة تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي طلب تشغيل نحو 250 صهريج نقل من أصل 450 صهريجا كانت تنقل المحروقات لنا لخدمته، الأمر الذي أدى إلى تراجع عدد الصهاريج العاملة في نقل المحروقات إلى السوق الفلسطينية، وربط عمليات النقل بإجراءات أمنية معقدة.

كما كشف وجود عمليات تهريب للمحروقات، مؤكداً أن الحكومة تعمل على تقييم حجمها ومعالجتها ضمن الأطر القانونية، إلى جانب مواصلة العمل على إنشاء الشركة الوطنية للمحروقات بهدف تعزيز الحوكمة والفصل بين المهام التنظيمية والتشغيلية في هذا القطاع.

وأضاف: "نورد يوميا نحو ثلاثة ملايين لتر من المحروقات، والمؤشرات الحالية تدل على أن الأمور ستبدأ بالتحسن مع مطلع الأسبوع المقبل، وسنشهد بداية انتهاء الطوابير أمام محطات الوقود."

وجدد دعوته المواطنين إلى استخدام وسائل الدفع الإلكتروني والتوسع في استخدام العملات الأخرى، بما يخفف الاعتماد على الشيقل ويساعد في معالجة أزمة السيولة.

 

الشركة الوطنية للمحروقات

وفيما يتعلق بإنشاء الشركة الوطنية للمحروقات، أوضح سلامة أنها شركة حكومية مملوكة بالكامل للدولة، ويأتي إنشاؤها ضمن تعديل قانون هيئة البترول، بهدف معالجة الخلل في الحوكمة والفصل بين مهام التنظيم والرقابة من جهة، والمهام التشغيلية من جهة أخرى.

وقال: "اليوم تتولى هيئة البترول وضع السياسات والتنظيم والرقابة، وفي الوقت ذاته تمارس العمليات التشغيلية المتعلقة بالشراء والبيع والنقل، وهذا يشكل خللا في الحوكمة، ومن هنا جاءت الحاجة إلى الفصل بين هذه المهام."

وأضاف أن فكرة إنشاء الشركة ليست جديدة، وإنما تستند إلى قرار صادر عن مجلس الوزراء عام 2018، كما أن مشروع تعديل قانون هيئة البترول يتضمن نصا يسمح بإنشائها.

وأكد أن الشركة الوطنية للمحروقات لن تكون الأولى من نوعها، إذ توجد شركات حكومية أخرى مثل شركة نقل الكهرباء وشركة المياه الوطنية، مشددا على أنها لن تؤثر في عمل محطات الوقود أو الخدمات المقدمة للمواطنين، وإنما تهدف إلى تعزيز الحوكمة والرقابة ورفع كفاءة إدارة هذا القطاع.

 

"الصحة" تتصدر الأولويات

وأشار إلى أن الحكومة صرفت منذ بداية العام وحتى نهاية شهر حزيران 300 مليون شيقل للمستشفيات والأدوية، وتعتزم صرف 350 مليون شيقل إضافية حتى نهاية العام، ليصل إجمالي الإنفاق على هذا القطاع إلى 750 مليون شيقل.

وأضاف: "نجري اتصالات مع شركائنا الدوليين لتوجيه مزيد من الدعم إلى قطاع الصحة، وخاصة المستشفيات والأدوية، وخلال الشهر الماضي فقط صرفنا نحو 160 مليون شيقل لهذا القطاع."

وأكد سلامة أن الحكومة تواصل إعادة ترتيب أولوياتها المالية بما يضمن استمرار الخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن قطاع الصحة يأتي في مقدمة هذه الأولويات إلى جانب الرواتب.

 

رسالة إلى المجتمع الدولي

واختتم وزير المالية حديثه بالتأكيد أن الأزمة الحالية ليست أزمة مالية داخلية فحسب، بل نتيجة مباشرة للإجراءات الإسرائيلية المتواصلة، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته السياسية والاقتصادية، وزيادة الدعم المالي المقدم للحكومة الفلسطينية بما يتناسب مع حجم التحديات غير المسبوقة التي تواجهها.

وأكد أن صمود المؤسسات الفلسطينية خلال الأشهر الماضية تحقق بفضل صمود المواطنين وموظفي القطاع العام، لكنه شدد على أن استمرار هذا الصمود يحتاج إلى تحرك دولي أكثر فاعلية، وإلى ضغوط حقيقية لوقف الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف الاقتصاد الفلسطيني.