ذلك اليوم! تسألني عن ذلك اليوم؟!
تغريدة الصباح -حسن حميد

ذلك اليوم!
تسألني عن ذلك اليوم؟!
نعم، كنت طفلاً، حين هبطت الحرب مثل صخرة كبيرة فوق عش لفراخ عصافير، هبطت نهاراً، طائرات، وقنابل، ونيران، وأدخنة، وضجيج، ودوي، ومخاوف، ودمار، وأسئلة، ورجاءات، وأدعية.. أن يديم الله هدأة البال!
رأيت الناس يتركون الحقول وقد ذهبوا إليها ليحصدوا الغلال، ورأيت عربات الجر الخشبية الكبيرة تفرغ حزم القمح والشعير فوق أرض البيادر الواسعة، ثم رأيت بعضهم جرحى وقتلى، وبعضهم يتوارون هنا وهناك، ورأيت النار تلتهم كل ما تصل إليه، وبعض البيوت تتهاوى، ورأيت البراري التي كانت أوسع من الحواكير تضيق مساحاتها، وتختفي نباتاتها، وطيورها، وأجمات قصبها، وشجر سدرها وغارها، وقطعان الماشية تعود نهاراً إلى القرية، وهذا أمر غريب، رنة أجراسها مخيفة، وصمت الرعيان ثقيل كالحجارة، والخيول في طراد، والغيوم لا تبدو، بعد ان لفها دخان أسود عتيم، ودجاج جدتي أراه للمرة الأولى يدخل الخم الكبير طواعية، والشمس طالعة.
كان ذلك اليوم يوماً من أيام حزيران1967، وكنا في قرية (نعران) السورية التي لجأنا إليها عام 1948، فبنى لنا (توفيق الراشد) بيتاً من حجارة سود لها زرقة راهجة، وبناء آخر أكثر رحابة، هو (مراح) لقطعان ماشية جدي، وبناء ثالثاً أكثر رحابة وأكثر، يمثل مستودعات الغلال، والتبان!
جدي الذي أحب الشام كثيراً، وقد عرفها في شبابه، هو من اختار قرية (نعران) الجولانية ذات العلوة الجميلة المطلة على قريتنا (كراد البقارة) التي يحرسها ثلاثة: نهر الأردن، وجسر بنات يعقوب، وغابة هائلة فيها كل أشجار الدنيا وأسرارها؛ قال لجدتي: هنا يا (دندي) نقيم، كي نطل على بيوتنا، وحقولنا، ومراعينا، وبئر الدار، وحاكورتها، وكي أرى أنا وأنت السدرة الكبيرة، أم حبات الدوم الشقر، والظلال الوسيعة، التي كنت أجلس وإياك تحتها ضحى، لنأكل ما حفلت به الزوادة التي تأتيني بها كل يوم، كنت ومن آخر الحقل الوسيع، أسمع صوتك يناديني: تعال، وأرح البغلة، وعلق عليقتها، واغسل يديك، وسم بالرحمن قبل أن يبرد خبز الصاج، وابريق الشاي! من هنا يا (دندي) سنحرس البيت من السراق!
جدي، وفي ذلك اليوم الحزيراني المر بحرائقه، ودخانه، ودمائه، وأحزانه، وبكاء جدتي، ومخاوفه التي طالت كل شيء، دفعني دفعاً بعدما تعلقت بثوبه، وأنا أرجوه أن يأتي معنا كي نخرج من القرية مع الخارجين، وقد دمرت البيوت إلا قليلاً منها، وطالت القنابل كل شيء، وطاردت البشر، والحيوانات، وقتلت الكثيرين منهم، ودفن الناس في حواكيرهم على عجل،. كانت القرية، وكما عرفتها في صغري، قرية بلا أسوار، قرية كاملة الوضوح، فلا مخابئ فيها، ولا مغاور لها، ولا خنادق، لقد خفت على جدي، فارتميت في صدره راجياً إياه أن لا يبقى، فلا مكان يحميه من هذه الطائرات السود المجنونة التي ترمي قازاناتها الراعبة، اللاهبة بالنار، الحاملة للموت، والناشرة للخوف! لكنه رفض، ونهرني قال: الحق بجدتك وأمك، قلت: ستقتلك القنابل يا جدي، انظر! وعلا صوت جدتي يرجوه أيضاً ، فقال: أنا إن خرجت. . سأموت بحسرتين، حسرة الخروج، وحسرة البعد. واقتربت جدتي منه ترجوه أن يأتي معنا ريثما تهدأ الدنيا! فرفض. جدتي تعرف عناد جدي، فتركته، وأخذت بيدي، واستعادتني إليها، أنا والتفاتاتي الكثيرة نحوه!
أذكر الآن، وقد مرّ وقت كثير المرارة أن جدتي قالت لنا محدثة عن الخروج الأول من قريتنا (كراد البقارة)، وعناد جدي، قالت: رفض الخروج، فقلنا له: أهل القرية أصابهم البلاء، ولفهم الشر، وأحاطت بهم النيران، والبيوت فجروها بالديناميت، وقطعان الماشية هربت نحو الغابة التي تخافها، وما عادت، وذهبت نحو النهر العظيم الذي تخافه، وما عادت أيضاً! في الغابة اختفت، وفي النهر غرقت، بعد أن سبحت طويلاً، ومغاور الغلال هدمت، فهيا! فرفض! أبوك، وأعمامك، تعاونوا عليه، وحملوه حتى قطعنا به مخاضة النهر العظيم! وعند أول قرية جولانية مطلة على قريتنا، وحقولنا، قال اهبطوا، فهبطنا في قرية( نعران)، عمرنا البيت الكبير، وحفرنا البئر، وزرعنا الحاكورة، واستثمرنا الحقول التي استأجرناها من أهالي القرية موسميا! كان جدك يجلس على الأرض صباحاً، ووجهه نحو الغرب، فأقول له: كيف تدير ظهرك للشمس، فيقول: أريد أن أرى بيوت (كراد البقارة) وهي تستقبل طلوع الشمس، أما الشمس فسأنظر إليها طويلاً حين تصير فوق بيوت، (كراد البقارة)، فأقول له: المدمرة! فيردد: المدمرة!
جدي بقي وحيداً في القرية الجولانية (نعران)، بعد أن مات رجل شيخ من أبناء القرية، بقي معه، لقد غسله وصلى عليه، بعد أن حفر قبره، ووراه التراب، وظل يذهب إليه في الصباح الباكر ليقرأ له بعض آيات القرآن الكريم، ويدعو له بالمغفرة والرحمة.
أبي الفلاح، والراعي حين يغيب الراعي، ذهب إلى جدي متسللاً ، وبعد ثلاثة أيام، وصل إليه، كان أبي يمشي ليلاً ، ويتوارى نهاراً، لم يخف من الوحوش، بل خاف من رصاص الخواجات ، وحين التقاه، رجاه أن يخرج معه، وأن يعودا معاً كي تفرح العائلة، فرفض، وقال لأبي: أنا لا أستطيع أن أقطع طريق الخروج، ولكنني أستطيع البقاء هنا، فأنا آكل مما أزرعه في الحاكورة، وأشرب من نبعة القرية، وسأكون هنا بانتظاركم، حين تعودون إلي ، سأفرح بعودتكم، وسأدلكم على المخاضة، كي نقطع النهر بأمان، ومن دون أن يغضب النهر العظيم، وسنصعد جسر بنات يعقوب من جهته الشرقية، ونهبط نحو جهته الغربية، ثم ندخل (كراد البقارة) بصخب! حاول أبي اقناعه، وقد عاش معه أياماً لكنه أخفق! جدي، قارئ القرآن الكريم، تعلم في مدارس ثلاث: غابة قرية (كراد البقارة) التي لم تغادر المكان، وجسر بنات يعقوب دنيا العمران، ونهر الأردن المقدس الباقي أبداً، وقد أراد أن يكون وفياً لمدارسه الثلاثة .. فكان!
Hasanhamid5656@gmail.com