لا مناص، عالم جديد من الشرق الأوسط بات اليوم أكثر حضورا من أي وقت مضى ولم يعد واقع هذا العالم غامضا، التحولات في هذا الشرق باتت عميقة، على مستويات مختلفة، أهمها على مستوى الفقه السياسي، وحتى العقائدي، قيم، ومفاهيم قد تبدلت، ومصالح تشابكت، والمشروعية الأخلاقية باتت عرضة للتأويل، بفعل الدبابة، واقتصاد السوق معا، وهذا ما قد يضرب سرديات هذه المشروعية، ويبعثرها بين خطابين متناقضين ...!!، على أن لهذا الشرق تاريخا من التكوينات، والتحولات والصراعات، والأهم تاريخ من القداسات، ومن يقرأ التاريخ على رأي "الظاهر بيبرس" يستغني عن التجربة، والمغزى ليس للعالم الجديد سبيل للهروب من التاريخ الذي لن يتخلى عن طبيعته، بلى للتاريخ طبيعة، ولا تطبع يغلب الطبيعة أبدا، وطبيعة التاريخ تكره النسخ والتكرار ولا تعرف سوى السير قدما نحو حتمياتها. النباهة المطلوبة في هذا السياق، لتجنب الضياع، والعدمية، تكمن في تعاضد المعرفة، بوضوح مرجعياتها، وشرعية هذه المرجعيات، وتماسكها برؤيتها الواقعية، وابتعادها عن اللغو والثرثرة التي سادت في خطابات الجملة الثورجية ...!! تعاضد المعرفة، وتماسكها، ضرورة، لأن تبعثرها لا يخلف سوى فوضى التقولات، والفبركات، والشائعات، في أوساط الرأي العام، ولها في هذا التبعثر، جنود مجندة، وذباب إلكتروني، وفرسان على طريقة "دون كيخوت" يترسمون على صفحات وسائط إعلامية عديدة، لجعل هذه الفوضى، ممكنة على الدوام، وثمة مواقف وتحليلات سياسية في هذا الإطار، لا تريد سوى رضى هذه الوسائط، ورضى جنودها، وذبابها، وفرسانها البلهاء ...!!
لماذا تعاضد المعرفة وتماسكها ضرورة بالغة الأهمية، بالنسبة لفلسطين الحرية والاستقلال، لأنها بالقطع البيئة التي تزدهر فيها الوحدة الوطنية، مثلما تخبو فيها الاستعراضات الاستهلاكية، والرومانسيات الحسية، وتتخلق فيها النزاهة والشفافية. تعاضد المعرفة وتماسكها، يجعلان من صندوق الاقتراع، قيمة حضارية والديمقراطية سبيل ازدهار وتطور، بلا تطاولات انفعالية، ومطلقات عبثية، وتمكن من ترسيخ نظام سياسي، لا تتعدد فيه الخطابات الاستراتيجية، ولا تقرر سيادة الدولة فيه البيانات الحزبية.
تعاضد المعرفة وتماسكها في المحصلة، سيمكنان فلسطين من أن تكون شريكا في صياغة أفضل ملامح العالم الجديد في هذا الشرق، بل لن يكون أي جديد في الشرق الأوسط، دون دولة فلسطين السيدة، بعاصمتها القدس الشرقية. فهل نضع حدا لفوضى المعرفة، وتبعثرها، الفوضى التي ما زالت تتلاعب بالكلمات في خطابات، وتصريحات تتلون وفق ما تريد رغباتها الحسية، ومصالحها غير المشروعة، والأخطر وفق ما تريد التمويلات المشبوهة، وهذا مع حسن النوايا، على أقل تقدير ..؟؟