عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 أيار 2026

حين تهتز الحركات المؤسسة.. تنتعش ذاكرة الشعوب

شادي جبارين*

لم يكن اهتمام الفلسطينيين بالمؤتمر العام لـ حركة فتح نابعاً فقط من كونه مؤتمراً تنظيمياً لفصيل سياسي، بل لأن «فتح» في الوعي الجمعي الفلسطيني تجاوزت منذ زمن حدود التنظيم إلى معنى الكيان المؤسس للحالة الوطنية الحديثة. فهي لم تتشكل كحزب عادي داخل دولة مستقرة، بل كحركة سبقت الدولة نفسها، وحملت عبء إعادة تعريف الفلسطيني بعد النكبة: من لاجئ مشتت إلى شعب يمتلك هوية سياسية ومشروعاً وطنياً. ولهذا تحولت مع الزمن إلى ما يشبه الخيمة الرمزية التي احتمى تحتها الفلسطيني في لحظات المنفى والانقسام والتيه، فأصبح أي تحول داخلها يُقرأ بوصفه تحولاً في البنية العميقة للمشروع الوطني كله، لا مجرد تغيير في قيادة تنظيمية أو توازنات داخلية.

فلسفياً، يمكن تفسير ذلك من خلال فكرة الرمز المؤسس. فهناك كيانات تتحول مع الزمن من تنظيمات إلى رموز تنتج المعنى السياسي للمجتمع. لقد أصبحت «فتح» بالنسبة لقطاعات واسعة من الفلسطينيين أشبه بما يسميه بيير بورديو الرأسمال الرمزي، أي الكيان الذي يملك شرعية تاريخية متراكمة تمنحه تأثيراً يتجاوز قوته التنظيمية الفعلية. فالفلسطيني، حتى إن لم يكن فتحاوياً، يشعر أن ما يجري داخل الحركة يؤثر على تعريف القضية، وعلى شكل السلطة والمقاومة، وعلى طبيعة المستقبل الفلسطيني نفسه.

كما أن المؤتمر العام لـ«فتح» يُعامل فلسطينياً بوصفه لحظة لإعادة إنتاج الشرعية الوطنية. ففي ظل غياب الدولة الكاملة والسيادة المستقرة، تتحول التنظيمات الكبرى إلى بدائل جزئية عن المؤسسات الوطنية الجامعة. ولذلك يصبح المؤتمر حدثاً وطنياً لأن الناس تبحث فيه عن ملامح تجديد للنخب، وعن قدرة الحركة على الاستمرار في حمل المشروع الوطني واستعادة الحيوية داخل بنيتها التنظيمية.

ورغم كل القلق الذي أحاط بالمؤتمر، فإن مجرد انعقاده وانتهائه بنجاح شكّل رسالة سياسية مهمة. فقدرة الحركة على عقد مؤتمرها في أربع ساحات في وقت واحد، وسط التعقيدات الفلسطينية والإقليمية، تكشف أن «فتح» لا تزال تمتلك بنية تنظيمية وحضوراً سياسياً يتجاوز كثيراً من التوقعات التي تحدثت عن تآكلها أو عجزها. كما أن المؤشرات الأولية التي ظهرت في تركيبة المجلسين الثوري والمركزي، من حضور وجوه جديدة وتمثيل قطاعات متعددة من المجتمع الفلسطيني، والربط بين أجيال متعددة في الحركة، حملت رسالة طمأنة للشارع الفلسطيني بأن الحركة لا تزال قادرة على تجديد دمائها وإعادة إنتاج نفسها، لا الاكتفاء بإدارة إرثها التاريخي.

وهنا تحديداً يكمن البعد الأعمق للاهتمام الشعبي. فالشعوب التي تعيش تحت تهديد وجودي تخاف دائماً من الفراغ، لأن الفراغ في الحالة الفلسطينية ليس مجرد أزمة سياسية، بل احتمال لانهيار المعنى الوطني الجامع. ولهذا فإن الفلسطيني، حتى المختلف مع «فتح»، يراقب تحولات الحركة بقلق حقيقي، لأنه يدرك أن اهتزاز الحركة المؤسسة لا ينعكس على التنظيم وحده، بل على صورة المشروع الوطني كله. فحين تهتز الأحزاب العادية تخسر مقاعد، أما حين تهتز الحركات المؤسسة فتهتز معها ذاكرة الشعوب.

ومن زاوية أخرى، فإن الصراعات داخل الحركات التاريخية ليست صراعات أشخاص فقط، بل صراعات على تعريف الحقيقة السياسية ذاتها. وكما يقول ميشيل فوكو، فإن السلطة ليست مجرد قوة، بل قدرة على إنتاج الخطاب والمعنى. ولذلك لم يكن المؤتمر مجرد انتخابات داخلية، بل لحظة لإعادة تعريف اللغة السياسية الفلسطينية نفسها.

لكن ما أظهره المؤتمر حتى الآن أن «فتح» ما تزال تملك القدرة على البقاء داخل التاريخ الفلسطيني، لا خارجه؛ وأن الحركة، رغم التعب والتحديات والشيخوخة السياسية التي أصابت كثيراً من حركات التحرر في العالم، ما تزال قادرة على إنتاج إشارات حياة سياسية وتنظيمية تمنح الفلسطينيين شيئاً من الطمأنينة في زمن القلق.

فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً أزمة أرض فقط، بل أزمة شعب يقاتل منذ عقود كي لا يفقد تعريفه لنفسه. ولهذا كان الفلسطيني يراقب مؤتمر «فتح» وكأنه يراقب قلبه القديم: متعباً… لكنه ما زال ينبض.

---------------

*المستشار القانوني لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي