عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 19 نيسان 2026

"الإساءة" التي أعادت تعرية الاحتلال

رام الله 19-4-2026 وفا-رامي سمارة

لم تكن صورة "الإساءة" "L'Abuso" التي تصدرت غلاف مجلة "L'Espresso" الإيطالية، مجرد لقطة عابرة التقطتها عدسة مصور صحفي، بل تحولت إلى وثيقة تاريخية حية، وساحة مواجهة أخرى لمعركة إعلامية ودبلوماسية بين صدق الرواية وزيف الادعاء.

الصورة التي نشرت في 10 من نيسان/ أبريل الجاري، أحدثت هزة وخلفت حراكاً عالمياَ، أظهرت مستعمراً مدججاً بالسلاح، تعلو وجهه علامات اشمئزاز وغطرسة، وهو يقف في مواجهة سيدة فلسطينية خلال فعالية سلمية لقطف الزيتون في تجمع سوبا، ببلدة إذنا بمحافظة الخليل.

تلك اللقطة، التي تخلد لحظة واحدة فقط من عقود طويلة من إرهاب وممارسات المستعمرين، أثارت حنق دولة الاحتلال فطفقت تغطي عارها بمحاولة طمس الحقيقة وتزييف الواقع أمام المجتمع الدولي.

وما أن انتشرت صورة الغلاف تلك، التي يعود تاريخ التقاطها إلى 12 من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حتى انطلقت حملة تشكيك إسرائيلية رسمية واسعة وممنهجة بحثاً عن براءة محرفة تكذبها براهين ودلائل أقلها الإحصاءات التي تبين ارتفاع وتيرة إرهاب المستعمرين كماً ونوعا.

وسارعت سفارة دولة الاحتلال لدى إيطاليا إلى إصدار تصريحات تهاجم المجلة بشدة، متهمة إياها بنشر اتهامات باطلة ومعاداة السامية.

وبلغت ذروة حملة التضليل الإسرائيلية بادعاء أن الصورة "مفبركة" بالكامل ولا تمت للواقع بصلة، واستخدمت في توليدها تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، في إطار حملة تشويه متعمدة، في مسعى يائس للهروب من المشهد الذي يوثق إرهاب المستعمرين اليومي، ويفضح انتهاكاتهم المتكررة للفلسطيني وحقوقه.

لكن السحر انقلب على الساحر، إذ كانت الصورة ذاتها هي الأداة التي فضحت الاحتلال وأسقطت ادعاءاته الواهية.

فبدلاً من أن ينجح التشكيك في إخفاء الجريمة، دفعت دقة الصورة وتفاصيلها المتابعين والخبراء للبحث والتدقيق، ليثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أصالة الصورة وواقعيتها المطلقة.

قوة اللقطة وتعبيرها الصارخ عن ميزان القوى المختل، بين مستعمر مدجج بالأسلحة تحميه قوة عسكرية، وسيدة فلسطينية لا تتسلح سوى بإرادة الثبات والإثبات، كانت كافية لتكذيب الرواية الإسرائيلية الرسمية وإحراج الدبلوماسية التي حاولت التستر خلف ذريعة "الفبركة".

السيدة التي ظهرت في الصورة، هي المحامية ميعاد أبو الرب، وتعمل في الدائرة القانونية بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وتنحدر من بلدة قباطية بجنين، كانت قد شاركت في إحدى الفعاليات الرمزية التي أقامتها الهيئة في تجمع سوبا خلال موسم قطاف الزيتون، فتحولت إلى رمز تشارك في كتابة جزء من تاريخ الصراع.

تؤكد أبو الرب أن محاولة إسرائيل نفي الواقعة هي جزء من سياسة ممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية ومحاولة تجميل صورتها أمام الرأي العام العالمي كـ"دولة ديمقراطية مسالمة".

وتضيف أن الصورة، رغم بلاغتها وقوتها، لم تنقل سوى جزء يسير من المعاناة الميدانية؛ إذ شهدت الفعالية هجوماً مباغتاً من قبل أكثر من 50 مستعمراً، تخلله إطلاق كثيف لقنابل الغاز والرصاص الحي، وتوجيه شتائم بذيئة، وملاحقة العائلات والمتضامنين حتى داخل ساحات المنازل المجاورة.

وتستذكر أبو الرب كم كانت المشاهد في ذلك اليوم أكثر قسوة من صورتها التي تصدرت غلاف المجلة الإيطالية، إلا أن القدر اختارها لتكون بطلة اللحظة وبرهانا مختلفاً على تصاعد وحشية المستعمرين، سيما خلال العامين الأخيرين، حيث أمنت قرارات الوزير المتطرف في حكومة الاحتلال ايتمار بن غفير بأيديهم قوة بطش من خلال تسليحهم ثم منحهم غطاء قضائياً يمكنهم من التمادي في ذلك.

ومن خلال عملها في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، توثق المحامية أبو الرب يومياً انتهاكات للمستعمرين، وتقوم بتجهيز الملفات القانونية المعقدة لرفعها للمحاكم بالتعاون مع محامين مختصين.

هذا العمل الميداني، بالإضافة إلى التفاعل العالمي مع رمزية صورتها، جعلها هدفاً لحملات تحريض مباشرة؛ حيث تداولت صفحات المستعمرين صورتها مرفقة بعلامة استهداف وفوهة بندقية، في تهديد صريح بالتصفية الجسدية، مما ولد لديها حالة من القلق على نفسها ومستقبل عائلتها.

وتقول، إنه رغم صلابتها كمحامية وناشطة ميدانية تتواجد في فعاليات إسنادية ميدانية مناوئة للاستيطان منذ عام 2016، إلا أن مشاعر الأمومة تفرض سطوتها في كثير من الأحيان، حيث بات الخوف على مصير أطفالها الأربعة (رزق، وجاد، والتوأمان قيس وسما) ومستقبلهم في حال اعتقالها، أو المساس بها، هاجساً يرافقها عند عبور الحواجز العسكرية الإسرائيلية المنتشرة.

وتأمل أبو الرب أن تُشكل هذه الفضيحة الإعلامية للاحتلال نقطة ارتكاز لحراك دولي جاد، يعيد وضع القضية الفلسطينية العادلة في صدارة الاهتمام العالمي.