ما هذا .. ماذا تفعلون ؟!
سؤال عالماشي - موفق مطر

محاولة لقلب ميزان وتوازن المصلحة الوطنية رأسا على عقب، وانتقال (فرط صوتي) من اليسار الى اليمين وبالعكس؟! ولا نقصد هنا أشخاصا عاديين، أو هواة جمع الاعجاب وأرقام المتابعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما الذين كانوا بموضع "شخصيات رسمية" على رأس وزارات ومؤسسات، نفترض – هذا بديهي – موافقتهم على البرنامج السياسي لحكومة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك النظم واللوائح الداخلية المنظمة لعمل الوزارات والمؤسسات التي تولوا المسؤولية رقم واحد فيها.
لكن المفاجئ ليس مواقفهم المعلنة ببيانات أو عبر صفحاتهم ومنصاتهم الخاصة التي باتت مجمعا – تحت ابصارهم وسمعهم – لاتهامات وإساءات شخصية للقيادة والسلطة الوطنية الفلسطينية، وهم يعلمون أن القانون يحاسب كاتبها وناشرها حتى ولو على صفحته الشخصية، فهؤلاء كانوا يفضلون الصمت على اشهار مواقفهم غير المنسجمة مع النهج العام، وكأنهم بذلك يريدون افهامنا أن اجراء تعديلات على الحكومة وخروجهم من عضويتها، أو احالة احدهم الى التقاعد من مؤسسة حكومية رسمية مدنية أو عسكرية تعيد قدرة النطق لألسنتهم خلال فترة عملهم! خلال تمتعهم بميزات وامتيازات المنصب والمهمة، فيذهبون الى تمييز انفسهم بمواقف سياسية ذات علاقة بأوضاع وقضايا فلسطينية داخلية (شائكة ومعقدة جدا) هي اقرب الى منطق الصراع الداخلي كما صممته وأرادته جماعات (مستخدمة للدين) وأخرى انزلقت الى معمعة العمل ضد المصلحة الوطنية العليا، والتبعية وفقا لإشارات وأوامر خارجية، حتى غلبت القضايا والصراعات في الاقليم سبيلهم لإثبات الذات الشخصية فقط !!.
نقول في هذا المقام أن الرأي والموقف الفردي للشخصية المستقلة، أو الحزبي أو التنظيمي الذي تتبناه (الشخصية الرسمية) حق مصان بالقانون لا جدال فيه، لكن ضرب المصلحة الوطنية العليا عرض الحائط بعد انتهاء مهمته الرسمية لسبب ما، فهذا ما نقصده "بانقلاب المواقف" فالشخص المستقل أو الحزبي أو المرشح من تنظيمه، الذي كلف بمنصب مهم وبات شخصية رسمية مهمة على اثرها بفضل كفاءته ودرجته الأكاديمية وانجازاته وسيرته النضالية، نفترض فيه حسن التبصر والرؤية العقلانية والواقعية للأمور، ونتوقع منه انسجاما أكثر من غيره مع مبدأ المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، نظرا لاحتكاكه المباشر بالوقائع والحقائق والمشاكل الحياتية على الأرض التي كانت تتطلب منه اقصى طاقات العمل والإبداع لحلها، ما يعني توفر المنطق السليم والحكمة لديه، والتحلي بقدرة عالية على حساب المستفيد والخاسر والرابح من مواقفه خاصة إذا تم تأطيرها وصياغتها لتبدو وكأنها (كتلة رأي عام vip) وبمثابة رسالة موجهة لجهة اقليمية ما خارج البلاد، دون ادراك لتأثيراتها السلبية على مئات آلاف الفلسطينيين إن لم يكن ملايين في الوطن والخارج، فهذا خارج مسار وتوازن المنطق والحكمة، إذ يبدو الأمر أن (الشخص الرسمي والمهم) قد خلع (بدلة وربطة عنق المنطق) وتركها في الوزارة أو المؤسسة أو الهيئة التي كان يصول ويجول فيها، غافلا عن أمر خطير، وانعكاس ما يفعل على رؤية المواطن لمعنى المنصب والمهمة والموقع القيادي في اطار السلطة الوطنية الفلسطينية، فهو – عن قصد أو دونه – إنما يقلل من هيبة ومكانة العمل الرسمي.
ولا نزيد إذا قلنا: إن الضرر الواقع على الشخصية ذاتها لا يمكن اصلاحه بمعيار الضمير والرأي العام الوطني، أما الضرر الواقع على الشعب الفلسطيني ومصالحه العليا، فالقيادة الحكيمة العاقلة الصادقة المخلصة، كفيلة بإصلاحه، فقد أثبتت الأحداث منذ أكثر ثلاثة عقود صحة منهجها وتطبيقها وفهمها العميق للواقعية السياسية، بمصداقية العمل والإخلاص والوفاء والتمسك بالحق الفلسطيني والمبادئ والثوابت الوطنية، كما برهنت على أصالة قيمها في الانتماء القومي والإنساني في لحظات تاريخية، بلع الكثيرون السنتهم، أو كان أكثرهم يعمل في الخفاء لتشويه وحرف موقف الشعب الفلسطيني، وقطع جذوره مع مبادئه، فشعبنا جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، والدول العربية عمقه الاستراتيجي العربي، فالعلاقة مصيرية وليست مصلحية متبدلة، ولا متقلبة، فانقلاب المواقف ليس في مفردات قاموس شعبنا وقيادته الأخلاقية والسياسية.