عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 آذار 2026

موطني..!

تغريدة الصباح - حسن حميد

كنت عائداً وأبي من المقبرة التي غدت غابة حزن، وقبور، ونواح، وأدعية، ورجاءات، وحوارات خفوتة تطلقها شفاه راجفة، وقد مررنا بالطريق الذي ما عاد طريقاً لأنه فقد صورته واسمه، وبالمشافي التي ما عادت هي المشافي، فلم نشم روائح الأدوية، ولم نر الحمائم البيض تجول في أروقتها التي بدت مكشوفة ومدمرة، أو تدلف من بوابتها، لم نر سوى سيارات الإسعاف المعطوبة المغمورة بما خلفته الحرائق، وقد هبطت عجلاتها، وتخلعت أبوابها، وتشظّى زجاج نوافذها، ومررنا بالمدارس، يا ويلتي، لقد ضج قلبي وأنا أرى مدرستي بلا أبواب، بلا نوافذ، بلا حيطان، بلا باحة، بلا سارية للعلم، حتى بوابتها الزرقاء الكبيرة طارت، والحيطان مالت، والسقوف خرّت، وأشجار السرو..أين هي؟ لا أرى سوى جذوعها المحترقة، ومررنا بالخيام، يا إلهي، أكل هذه الخيام اسم لفاجعتنا؟ خيام قماشية، وخيشية، خيام من أطباق النايلون، باهتة، متهدلة، هامدة، لا نسمة قوة فيها، خيام بلا نوافذ، بلا أبواب، بلا جدران، بلا سقوف، خيام لولا الناس، عفواً لولا الأطفال، لكانت عرائش شوك!

ونمر بالأسواق، نعم الأسواق، كانت هنا، لكنها غير بادية، هنا.. حجارة، فوقها سحاحير بلاستيكية فيها خضروات، هنا عربات جر فوقها بعض الأواني، أكواب، وصحون، وزبادي، وكلها بلاستيكية، وهنا سلال، سلال ملأى بالبيض، يا الله، من أين جاء هذا البيض، ولا دجاج حولنا، ولا حول الخيام.

قلت: يا أبي، كيف ترى هذا الذي تراه؟

قال: هي وحشية الطغاة، هذه آثارهم، وما صنعته أيديهم ذات المخالب المعدنية، وقلوبهم التي امتلأت بما فيها من عماء.

قلت: يا أبي، أنت درست التاريخ، ودرّسته لطلابك، هل من شبيه لما عشناه، وعرفناه، وما لفنا من أذى حتى أهلكنا؟

قال: عرفت الكثير، فهذه الصورة التي نراها، هي صورة الطغاة، وما يصنعونه؛ الصورة التي يحبون رؤيتها، والتباهي بها.

قلت: ولكن الدنيا تغيرت واختلفت، يا أبي، صار فيها الكتب، والجامعات، والمثاقفات، والفنون، والأشعار، واللوحات، والروايات، والقوانين، وجمعيات الرفق بالحيوان.

قال: هذان دربان لا يلتقيان، فالحجارة، مهما جملتها الأيدي والعقول ونحتتها، تظل حجارة، والذهب إن ألقيته في البحر أو النار يظل ذهباً.

قلت: سامحني، يا أبي، فأنا أحدثك، وأسألك لأن دربنا إلى البيت ما زال بعيداً، ولأنني أريد لأصابعك أن تتوقف عن التقاط دموعك السابلات، فقل لي: لماذا يخذلنا العالم، ولماذا أهله، وحين ينظرون إلينا، ينظرون بلا عيون، وحين يتكلمون لا يتكلمون عما يحدث لنا، وحين يروننا، لا نرى علامات عجب أو استغراب أو تعاطف أو أسى أو حزن، أو دهشة في وجوههم؟

قال: الخوف عقد ألسنتهم، وأرجف قلوبهم، وألجم خطاهم، لقد فكروا بنهاياتهم، ولم يفكروا بما وعوه عن معاني الحق والخير والجمال في الكتب التي علمتهم.

قلت: لكن، يا أبي، لو حدث، وجاع أعداؤنا، لو منعت شاحنات الطعام والمساعدات من الوصول إليهم، ما كان سيحدث؟

قال: سيحدث غير هذا الذي يحدث لنا! قلت: ولو منعت المياه من الوصول إلى أعدائنا، فمات أطفالهم من التجفاف مثلما يموت أطفالنا؟

قال: سيفجرون لهم الينابيع، ويسوقون إليهم الأنهار سوقاً!

قلت: ولو صارت مقابرهم على هذا النحو من الاتساع مثل مقابرنا، يا أبي؟

قال: لأبادونا بالأسلحة النووية!

قلت: لو عائلة واحدة من أعدائنا، مثل عائلاتنا، يا أبي، التف أفرادها حول قبر لفرد منهم، وهم يدفنون أشلاءه فصارت الأشلاء قبراً؛ أشلاء بلا أصابع أو أقدام، بلا رأس أو ظهر أو بطن، فماذا كان سيحدث؟ قال: لقتلونا، وطاردونا مثل جراد وحشي.

قلت: لو أن عائلة من أعدائنا لديها أطفال رضع، عاشت في خيمة قماش أو خيش أو نايلون، مثل خيامنا، خيمة يدهمها مطر الشتاء، وعصف الرياح، وحرارة الشمس الكاوية، خيمة تدهمها نيران الصورايخ، خيمة تجول فيها روائح البارود، فما الذي سيفعله الغرب بنا، يا أبي؟

قال: لأشاروا إلينا بأننا شياطين الأرض.

قلت: لو أنّ أشجارا لمزارع من أعدائنا اقتلعت بأنياب الجارفة D9، مثلما يقتلعون بها أشجار زيتوننا، فيعرون البراري وسفوح التلال من زينتها ومجدها، وما تباهي به، ويعرون الحقول من قمحها ووردها، وأسيجة الينابيع من توتها، وأشجار اللوز من زهرها، والقرى من عمرانها.. فما الذي كان سيقال عنا؟

قال: سنتهم بأننا وحوش الأرض، وإن باطن الأرض، أحق بنا من ظاهرها.

قلت: لو امرأة حبلى من نساء أعدائنا، دهمت بالبنادق والرصاص والرعب،وهي تضع مولودها في المشفى، مثلما يحدث لنسائنا الحوامل، وراحت تشهق شهقتها الأخيرة، ليس بسبب آلام المخاض، بل بسبب الرصاص الذي قتلها، وقتل جنينها دونما ريث أو إمهال، ماذا سيقولون عنا؟

قال: سيصفوننا بأننا وحوش الأرض الذين لا يعرفون حرمة، أو يحترمون قيمة، أو يعرفون حياء!

قلت: لو انّ هذا المنظر الذي نراه الآن، أنا وأنت، يا أبي، لأطفالنا هؤلاء الذين يلعبون كرة القدم بقدم واحدة، ويركضون بقدم واحدة، ويرون الكرة بعين واحدة، ويتنادون بالإشارة، ويصرخون، فلا يسمع الواحد منهم صراخ الآخر، لأن الرصاص أخذ أقدامهم، وعيونهم، وأسماعهم، فما الذي سيقوله الغرب عنا؟

قال: سيقول الغرب بأننا ضباع الأرض!

قلت: سامحني، يا أبي، لقد أتعبتك، بعدما مشينا طويلاً، وسألتك كثيراً، لكننا.. ها نحن اقتربنا كثيراً من البيت!

قال: الآن، قف يا بني، وانظر خلفك، وقل لي ماذا ترى؟!

فوقفت، والتفتّ، ونظرت، ودهشت، لأنني رأيت خلفي درباً طويلاً تحفه الأشجار المورقة ذات الخضرة الراهجة التي تهزها ريح رخية، وهي تبدي ثمارها مثل مثل قناديل تساهر الليل، وتحتها ظلال وسيعة، توازعتها بيوت ذات أبواب ونوافذ، وقناطر، وحواكير ممتلئة بالأشجار والأعشاب وسواقي الماء السائلة مثل الفضة المذابة، ورأيت خلقاً من البشر يزرعون، ويطحنون، ويعصرون، وينشدون، وطيوراً محلقة بين الغيوم مثل قلائد ذهبية لامعة، ورأيت دواباً تدب هنا وهناك، تحيط بها الأعشاب الطويلة، وصبايا، لهن وجوه منيرة، يحملن الجرار، والغناء يحملهن، وبهن تطير الخطا، وقد اتسعت ابتساماتهن وأضاءت، وخيول راحت تتعرف مروج العشب بطرادها الحميم، وطيور دجاج، وديوك حبش، وأوز، وبط.. تمشي بهدوء رزين، لكأنها في كرنفال، وأرى أطفالاً بأقدام وعيون معافاة، وثياب جميلة، يمشون، ويتراكضون، ويسمعون ويضحكون، ويتنادون.. في صخب ألوف، وبين أيديهم كتب، وكراريس، وأقلام، وألوان، إنهم يتقدمون، ويهتفون( الجلال والجمال.. في رباك)..!

فالتفت نحو أبي لأقول له: أترى، وتسمع.. ما أرى وأسمع، يا أبي!

لحظتئذٍ، كان أبي بهرة نور عالية عالية.. مثل زاقورة بغدادية صاعدة نحو مجد السماوات العلى.

Hasanhamid5656@gmail.com