قوة المنطق…
كلمة الحياة الجديدة

قد لا تكون لمقالة صحفية هنا، وزن مادي في ميزان القوى المختل بالمطلق، في جانبه المادي، والحربي تحديدا، لصالح دولة الاحتلال إسرائيل، لكن لأن الصراع في جوهره هو صراع سرديات، ستجد المقالة حين تنطوي على قوة المنطق، وسلامته المعرفية، ومصداقيته الأخلاقية، ستجد وزنها في قدرتها على تعرية وفضح عبثية سردية غطرسة القوة، والعنصرية، هذه السردية التي تواصلها حكومة دولة الاحتلال، وبحكم المقالة فعل ثقافي في المحصلة، فلعلها بهذه التعرية، وهذا الفضح، لن يكون لها وزن فحسب بل لربما سيكون وزنها، أثقل من وزن الدبابة، في ميزان القوى المختل ذاك، ويوما قال النازي المقبور "جوزيف غوبلز": "كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي"..!!!
العبث مهد فسيح، لولادة خطابات غطرسة القوة، والعنصرية، وأوضح مثال على ذلك، تصريحات وزير المالية "سموتريتش" في حكومة الصهيونية الدينية، التي يقودها "بنيامين نتنياهو"، هذا الوزير يريد أن يمحو كل ما هو فلسطيني من على أرض فلسطين "الخطوط، والحدود، والرموز" كما أنه يعلن بأنه سيعمل على إسقاط السلطة الفلسطينية، بعد أن وصفها كما تحلو له مخططاته التوسعية العنصرية "بالشريرة، والإرهابية"…!!!!
يعرف "سموتريتش"، لكن دون أن يعترف بطبيعة الحال، للشر أفعاله الإرهابية، التي تبدو اليوم جلية في الحرائق التي يشعلها المستوطنون في بيوت الفلسطينيين، وفي الرصاص الذي يطلقونه على أبنائهم العزل، وفي المواشي، والأرض التي يسرقونها منهم، والسلطة الوطنية الفلسطينية، تسعى وراء كل ترميم، وبناء، وتنمية، وتناهض كل عنف، وتحارب كل إرهاب.
على مدار أكثر من سبعين عاما ومنذ النكبة الأولى، عملت إسرائيل على تحقيق المحو الكامل لفلسطين، وقضيتها، فما محي غير صورتها كواحة ديمقراطية في هذا الشرق الملتهب، بفعل حروبها، وصحيح أن فلسطين أقصيت من حضورها الجغرافي، كدولة، وسيادة، لكنها امتلكت حضورها السياسي، والمعنوي، والأخلاقي، والسيادي في خرائط الوجود الإقليمية والعالمية، وثبتت حدودها، وخطوطها، ورموزها، على نحو لا يقبل أي محو، ولا أي تجاهل، وقد عرفت إسرائيل عبر حكوماتها المتعاقبة، وما زالت تعرف بكل تأكيد، أن الرقم الفلسطيني في معادلة الصراع، بعد معارك عديدة ومتنوعة، أنه رقم لا يمكن تجاوزه، ولا بأي حال من الأحوال، وأن فلسطين الفكرة، والقضية، والمعنى، والحضور، والمشروع التحرري، عصية على الشطب تماما، ولا بأس هنا أن نحيل "سموتريتش" إلى ما قاله عنها شاعرها الكبير "كانت تسمى فلسطين .. صارت تسمى فلسطين".
منطق القوة، لا يمكن أن يهزم قوة المنطق، وقوة الحق لا يغلبها حق القوة، هذا الذي يتجاوز القانون الدولي، وشرعة حقوق الإنسان، عالم اليوم الذي ما زال بلا أي نتاج فلسفي، ولا أي نتاج حضاري، بالمعنى الإنساني التقدمي، في هذا العالم لم يعد بإمكان منطق القوة أن يسود، المنطق الذي كان قد هزم مبدئيا مع عالم الحداثة، الذي مجد العقل، واعتنى بالتقدم والحقائق المطلقة، هذه التي أطاح بها عالم ما بعد الحداثة، هزيمة هذا المنطق مبدئيا كانت في الحربين العالميتين الأولى والثانية فهذه حروب لم تنتج سلاما شاملا ودائما، ولا عالما خاليا من العبث والفوضى….!!!
عالم اليوم ليس هو الشرق الأوسط الجديد، وإنما حتى اللحظة، هو عالم البحث عن مخرج فلسفي، وفكري، وأخلاقي، من همجية القوة، وسرديتها المفرطة، في هذياناتها، ولا مخرج بغير السلام العادل والشامل، وهذا هو سلام فلسطين، شاء "سموتريتش" ذلك أو لم يشأ….!!!!.
رئيس التحرير